{ ومَنْ يُولِّهم } منكم { يَوْمئذٍ } أى يوم إذ لقيتموهم مطلقا بدر أو غيره { دُبرهُ } خلفه ، وسكن الحسن الباء والتفسير بالدبر بتشنيع على الفار { إلا مُتحرِّفًا } عنهم { لِقتالٍ } مجموع إلا والمنصوب بعد حال ، أو هى الحال على أنها اسم ظهر إعرابها في ما بعدها لكونها بصورة الحرف قولان في مثله ، أى ومن يولهم دبره غير متحرف ، وصاحب الحال الضمير المستتر .
وإن قلت: إذا كان الحال على القول الأول مجموع إلا وما بعدها فما وجه النصب فيها بعدها .
قلت: لما لم يكن له إعراب على حدة ، وكان اسما معربا احتاج إلى أن يكون على صورة ما سلط عليه العامل ، فجئ به على صورة المنصوب ، لأن محله مع إلا النصب ، وعلى القولين: فلا عمل إلا في متحرفا وأحسن من ذلك أن يكون النصب على الاستثناء من الضمير المستتر ، لأنه من حيث المعنى عام ، قيل: أو من مَنْ فالناصب له إلا ، أو يؤول أو غيرهما مما ذكرته في النحو ، واللام للتعلل أو لشبه التمليك ، وقيل: بمعنى إلى ، وقيل: للتعدية أو متحيزا متفيعل من حاز يجوز ، أصله متحيوز اجتمعت الياء والواو ، وسكنت السابقة فقلبت الواو ياء ، وأدغمت فيها الياء لا متفعل ، وإلا قيل: متحوزا ولا وجه لقول بعضهم استثناء المتحرف والمتحيز من أنواع التولى ، لأنه لم يقل إلا متحرفا لقتال أو تحيزًا ، إلا إن أراد الاستثناء المنقطع ، ولأنه لا يستثنى من الفعل ولو صح المعنى بالنظر إلى معنى مصدره .
{ إلَى فئةٍ } جماعة حاضرة معه في القتال قريبة منه ومعنى التحرف لقتال أن يتصور بصورة المنهزم فيعطف على من لحقه فيقتله ، وذلك يكون بسبب تحصن العدو فلا يحد لقتله مدخلا ، فإذا تهازم برز له ، ولسبب أنه اجتمع عليه رجلان أو ثلاثة ، فإذا تهازم لحقه أحدهما أو أحدهم فقط ، فيقدر عليه ، وكذا إذا اتبعوه ووصل إليه أحدهم قبل غيره ، ولغير ذلك من الأسباب ، وذلك باب من خدع الحرب .
والتحيز إلى فئة أن ينضم بعد انفراد ، أو من جماعة إلى جماعة من المسلمين يستعين بهم ويتقوى ، وزعم بعضهم أن التحيز جائز ولو إلى فئة بعيدة غير حاضرة في القتال لما قال الحسن عن عمر بن الخطاب ، لما بلغه وهو في المدينة أن أبا عبيدة بن الجراح وأصحابه قتلوا يوم القادسية: رحم الله أبا عبيدة لو انحاز إلينا لكنا فئته ، وكذا روى ابن سيرين ، وزاد عن عمر إنا فئة كل مسلم .
وعن عبد الله بن عمر: خرجت في سارية ففروا ، فلما دخلوا المدينة دخلوا البيوت حياء ، فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون ، فقال: « بل أنتم العكارون - أى الكرارون - وأنا فئتكم »