بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالبَاطِلِ } : عطف على ولا تشتروا بآياتى ثمينًا قليلًا ، أي لا تخلطوا الحق الذي هو التوراة ونحوها ، بالباطل الذي تفترونه أنتم وغيركم أو أسلافكم ألا تقرءوه في قراءة التوراة ونحوها ، ولا تكتبوه في كتابتها ، ولا تأولوها به ، فإنهم إذا فعلوا ذلك التبس الحق بالباطل ، أى اختلط به حتى يشتبها ولا يميز بينهما الجاهل والعامة ، والباطل هو تغييرهم الأحكام الصعبة بسهلة ، وتبديلهم صفة محمد A بغيرها ، كما روى أنه لما بعثه الله D حسده اليهود وقالوا: ليس هو الذي ننتظره ، وإنما هو المسيح بن داود يعنون الدجال ، وكما روى أبو العالية أن اليهود قالوا: محمد نبى مبعوث لكن إلى غيرنا ، فإقرارهم ببعثه حق ، وقولهم إلى غيرنا باطل ، وكما قال قوم من اليهود والنصارى: إنه رسول إلى العرب خاصة ، فقولهم إلى العرب خاصة باطل ، وقيل معنى الآية لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية ، والباء للتعدية والإلصاق كما رأيت ، وهو أكثر وأظهر كقولك: خلطت الماء باللبن ، ويجوز كونها للاستعانة أو السببية ، أى لا تجعلوا الحق بسبب خلط الباطل به غير متميز عنه ، أو لا تستعينوا بخلط الباطل معه على خفائه وعدم تميزه .
{ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ } : على الجهلة والعامة ، وهو أحكام الله D ، وصفة محمد A .
{ وَأنتُم تَعْلَمُونَ } : إنما أنزل الله من الأحكام ، وصفة محمد A هو الحق ، أو تعلمون أنكم كاتمون لابسون ، والجملة الاسمية حال ، وفيها إشعار بتغليظ الذنب على من وقع فيه من العلم بأنه ذنب وأنه أعصى من الجاهل ، وأن استقباح اللبس والكتم ازداد بالعلم ، فإنهُ أقبح ، إذ الجاهل قد يعذر في بعض المواضع وصورته صورة عذر ولو لم يعذره الله ، ولو كان عذاب الجاهل أضعاف عذاب العالم ، لأنه ضيع فرضين: فرض العلم وفرض العمل به ، والعالم ضيع فرضًا واحدًا وهو العمل ، هذا ما ظهر لى في القياس وهو كذلك في بعض روايات قومنا ، وقد يقال: عذاب العالم أضعاف عذاب الجاهل ، لأنه أعظم تهاونًا ، إذ علم بأمر عظيم فتهاون به ، ولأنه أكثر نعمة بالعلم ، فالشكر عليه أعظم وجوبًا ، فقد روى الربيع بن حبيب عن أبى عبيدة عن جابر نب زيد عن أنس عن رسول الله A: « ويل لمن لم يعلم ولم يعمل مرة ، وويل لمن يعلم ولم يعمل مرتين » وله رواية أخرى أكثر مضاعفة ، وهى: « ويل لمن لم يعلم ولم يعمل سبع مرات ، وويل لمن لا يعلم مرة واحدة » ويمكن الجمع بين الروايتين بأن لفظ مرة ومرتين في الأولى من كلام الصحابى الراوى ، بأ ، يكون قد سمع رسول الله A يقول: ويل لمن لم يعمل ولم يعمل ولم يقل مرة ، فحمله الراوى على الويل الواحد ، إذ لا دليل على أكثر ، ويقول: ويل لمن لم يعمل ولم يعمل ، ويل لمن يعلم ولم يعمل ذكره مرتين ولم يذكر مرتين ، فحمل ذكر مرتين على الكثير وهو السبعة كما بينته الرواية الثانية ، فكأن الراوى قال: إنهُ صلى الله عليهُ وسلم قال مرة واحد: ويل للجاهل ، وقال مرتين: ويل للعالم ، غير العامل ، وكثيرًا ما تذر التثنية أو يكرر اللفظ بعطف أو دونهُ ، فيراد الكثير نحو قولك علمته الكتاب بابا بابا ، أو مسألة مسألة ، وجاءوا رجلا رجلا ، ودخلوا الأول فالأول ، وزيد يحيا مرة بعد أخرى ، ولبيك وسعديك وحنانيك ، قال الله تعالى: