{ الَّذينَ آتيناهُم الكِتابَ } : الجنس الصادق بالتوراة والإنجيل ، وهم اليهود والنصارى . الذين مبتدأ خبره هو قوله:
{ يعْرفُونه كمَا يعْرفُونَ أبناءهُم } ، يعرفون محمدًا بعد بعثته وقبلها ، A ، بنعته في التوراة والإنجيل ، كما يعرفون أبناءهم ، ويميزونهم من أبناء غيرهم ، فكما لا يلتبس ولد الرجل عنه بولد غيره ولا يشتبه ، كذل لا يلتبس محمد بغيره ، ولا يخفى على من عرف نعته في التوراة والإنجيل ، ولا على من وصل نعته من أسلافه أو أحباره قبل أن يكتموه . وأحباره الذين لم يكتموه روى أن عبد الله بن سلام سأله عمر ابن الخطاب ، رضى الله عنه ، أن الله أنزل على نبيه محمد ، A { الَّذِينَ آتينَاهُم الكِتاب يعْرفُونه كما يعْرفُونَ أبناءَهُم } فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبدالله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابنى ، ومعرفتى بمحمد ، A ، أشد من معرفتى بابنى . فقال عمر: فكيف ذلك؟ فقال: لست أشك في محمد أنه رسول الله حقًا ، وقد نعته الله في كتابنا ، ولا أدرى ما تصنع النساء ، فلعل ولدى قد خانت والدته . فقبَّل عمر رأسه وقال: وفقك الله يا بن سلام ، فقد صدقت . وهذه السورة نزلت بالمدينة .
وقال الكلبى: لما قدم رسول الله ، A ، المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: إن الله D أنزل على نبيه وهو بمكة أن أهل الكتاب ليعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فيكف هذه المعرفة يابن سلام؟ قال: نعرف نبى الله بالنعت الذى نعته إذ رأيناه فيكم ، كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان ، والذى يحلف به عبدالله بن سلام: لأنا بمحمد أشد معرفة منى لابنى . فقال له عمر: كيف ذلك؟ قال: عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا أنه هو ، وأما ابنى فلا أدرى ما أحدثت أمه؟ فقال له عمر: وفقك الله قد أصبت وصدقت ، يعنى آية الأنعام: { الَّذينَ آتيناهم الكِتابَ يعْرفُونَه كمَا يعْرفُون أبْنَاءَهُم } فإن سورة الأنعام نزلت في مكة ، والهاء في يعرفونه عائدة على محمد رسول الله ، A ، لتقدم ذكره بلفظ الخطاب مرارًا ، فهذا على طريق الالتفات من الخطاب للغيبة ، وذكر بلفظ الرسول مرتين في قولهِ: { ويكون الرسول عليكم شهيدًا . . . إلخ } وذلك قول مجاهد وغيره ، وهو قول الجمهور وهو الصحيح ، ويدل له قوله: { كما يعرفون أبناءهم } ، والمعنى يعرفون صدقه ورسالته وصفاته . وقال ابن عباس وغيره: الهاء عائدة إلى التحول إلى الكعبة يعرفون أن التحول إليها حق من الله تعالى ، وأنها قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء قبلك كما يعرفون أبناءهم لا يشكون ، وفى الهاء للأوجه السابقة في قوله: { إنهُ الحقّ مِنْ ربِّهم } ، وهذه الأوجه مع وجه عودها إلى التحول ، وقد مر أيضًا في هاء إنه هى المتبادرة لمناسبة الغيبة ، كما قيل بعودها إلى القرآن ، بخلاف عودها إلى رسول الله ، لأنه ذكر قبله بلفظ الخطاب ، غير أنه قد يقال إنه رجعت إليهِ الهاء بلفظ الغيبة ، مع أنه لم يذكر في الكلام المتصل بهذا إلا بلفظ الخطاب ، إشهارًا بفخامته وشهرته أنه لا يلتبس على السامع في عود الضمير إليه ، حيث يلتبس غيره ، ويجوز عودها إلى العلم في قوله: { من بعد ما جاءك من العلم ، وإن فريقًا منهم } أى جماعة من أهل الكتاب ، وهى أكثر علمائهم ، فالهاء لأهل الكتاب ، ويجوز عودها لعلِمائهم ، وفى التعبير بفريق منهم إشارة إلى أن بعضهم لم يكتم الحق ، بل قبلهُ كعبد الله بن سلام من اليهود ، والنجاشى ومن آمن من رهطهِ وصهيب من النصارى .