{ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ } : يتخذ مجزومًا بلا الناهية وكسر للساكن بعده ، ربما اتخذ المؤمن من الكفار وليًا يحبه ، ويشاوره ويساره ويكرمه لقرابة ، أو صداقة جاهلية ، أو لكونه ينفعه ذلك الكافر ، أو يرجوه فيه المنفعة أو يركن ذلك الكافر وينصره ويعظمه ، وهو في ذلك كله معتقد لبطلان دين الكفر ، ومع ذلك نهاه الله D عن تلك المولاة ، لأنها قد تجر المؤمن إلى تحسين سيرة الكافر ودينه ، وذلك مخرج عن الإسلام ، لأن الموالى للكافر بالرضا لدينه وتصويبه كافر .
وأما معاشرته الجميلة بحسب الظاهر ، فجائزة ، وقيل المراد في الآية: النهى عن الاستعانة بالكفار في الغزو وأمور الدين ، ولأولى عموم ذلك كله .
وروى أن عبادة بن صامت رضى الله عنه ، كان له حلفاء من اليهود فقال يوم الأحزاب: يا رسول الله إن معى خمسمائة من اليهود ، وقد رأيت أت أستظهر بهم على العدو ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كان الحجاج بن عمرو وابن أبى الحقيق وقيس بن زيد وكعب بن الأشرف وهم من اليهود يبطنون بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر ، وعبد الله بن جبير ، وسعيد ابن خثيمة لأولئك النفر اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنوكم عن دينكم فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله D هذه الآية . وقال قوم: نزلت في حاطب ابن ابى بلتعة وغيره ممن كان يظهر المودة لكفار مكة ويكاتبهم . وقيل: كان المنافقون كعبد الله بن أبى يباطنون اليهود ويأتونهم بالأخبار ويرجون لهم الظفر على رسول الله A ، فهى الله المؤمنون أن يفعلوا مثل ما يفعل هؤلاء المنافقون .
{ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } : ليس المراد النهى عن قصر المولاة على الكافرين فتجوز موالاة الكفار لمن والى المؤمنين ، بل النهى عن موالاة الكفار مطلقًا لمن والاهم وحدهم أو والى معهم المؤمنين ، بل في الآية إشارة إلى أن من والى الكفار فقد عادى المؤمنين ولو كان يوالى المؤمنين في زعمه ، لأن موالاة الكفار معاداة للمؤمنين وأشرة إلى أن في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكفار كما تقول: كيف تأكل طعام فلان وعنك طعام غيره؟ وقرر الإشارة بقوله:
{ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ } : أى ومن يفعل ما ذكر من كولاة الكفار ، فليس من ولاية الله في شيء ، يصح أن يسمى ولاية له تعالى ، ولو كان في زعمه يوالى الله والمؤمنين ، كتب صديق إلى صديقه في جملة ما كتب إليه أنه من والى عدوك فقد عاداك ، ومن عادى عدوك فقد والاك . . وقال الشاعر:
تود عدوى ، ثم تزعم أننى ... صديقك ليس النوك عنك بعازب
فليس أخى من ودنى رأى عينه ... ولكنه أخى من ودنى في المغايب