{ يعْتَذرونَ إليْكُم } عن تخلفهم { إذا رجَعْتُم } الخطابان للنبى A والمؤمنين ، لأنهم يعتذرون أيضا للمؤمنين ، وقيل: الخطابان للنبى A والجمع تعظيم { إلَيْهم } من هذه الغزوة .
{ قُلْ } لهم { لا تَعْتَذرُوا } وعلل هذا بقوله: { لَنْ نُؤمنَ لكُم } أى لن نصغى ولن ننقاد إلى اعتذاركم لأنه كذب ، وعلل هذا بقوله: { قَدْ نبَّأنا اللهُ } أى عرفنا بتشديد الراء فهو محتاج إلى مفعولين: الأول ن ، والثانى محذوف منعوت بقوله: { مِنْ أخْباركُم } أى شيئا من أخباركم ، أو هو إخبار ومن للتأكيد على قول أبى الحسن الأخفش ، يجوز بزيادة من في الإيجاب ، ومع المعرفة أى قد نبأنا الله أخباركم ، أو نبأ بمعنى أعلم ، فالمفعولان الأولان هما ما ذكر ، والثالث تقديره كذبا أو كاذبة ، وأخبارهم على الوجه الأول هى ما في قلوبهم من النفاق والفساد ، والخيال والإيضاع ، خلاف المؤمنين ، وبفى الفتنة ونحو ذلك ، وعلى الثانى هى كلامهم في الاعتذار .
{ وسَيَرى اللهُ عَملكُم ورسُولُه } بعد ذلك أتتوبون عن النفاق أم لا؟ وهذا إمهال واستتابة ، أو تفون بالوعد أم لا؟ وذلك أنه قيل: وعدوا رسول الله A بالنصر ، روى أن ابن أبىّ حلف بالله الذى لا إله إلا هو لا يتخلف عن رسول الله A أبدا ، وطلبه أن يرضى عنه ، فنزل ذلك إلى قوله: { الفاسقين } وإن قلت: لم قال: { وسيرى الله } وهو قد علم بما يعملون في الأزل؟
قلت: لأن مراده بالرؤية الجزاء ، وذلك أنها بمعنى العلم ، والعلم بشىء يقتضى الجزاء عليه خيرا أو شرا ، والجزاء إنما هو بعد العمل ، أو لأن كما علمه في الأزل ، وبعد الأزل يعلمه إذا وقع أو لأن المراد سيراه الرسول ، وذكر الله تعظيما وتأكيدا .
{ ثُمَّ تردُّونَ } بالبعث { إلى عَالمِ الغَيْبِ } كلما غاب عن الخلق { والشَّهادةِ } كلما شاهده الخلق ، والأصل ثم تردون إليه فوضع الظاهر موضع الضمير ليدل على علمه بما أخفوا وما ظهروا { فَينبِّئكُم بما كُنتم تعْملونَ } بالتوبيخ والعقاب ، وذلك أن المشركين يسألون في بعض مواطن القيامة توبيخا ، ولا يسألون في بعض ، ولا يسألون عتابا يعقبه رضا ، أو أراد بالتنبيه الجزاء ، فإن جزاءهم على أعمالهم كالإخبار بها ، وإن لم يكونوا مشركين فلا إشكال ، فإنهم يحاسبون حسابا يسيرا .