{ إنَّ الذينَ فرَّقُوا دِينَهم } أى الذين يجب أن يتبعوه فينسبوا إليه كلهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، فكانوا فرقا بسبب تفريقهم الدِّين ، أو المعنى اختلفوا في دينهم ، قال A: « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية » وروى: « في النار وكذا فيما بعد إلا واحدة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة ، وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهى التى على ما أنا وأصحابى عليه »
ويروى « سيخرج من أمتى قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله الهوى » أى يجرى معهم الأهواء لتفارقهم كالكلب لا يفارق صاحبه ، فالآية في أهل الكتاب أو سائر المشركين وأهل البدع من هذه الأمة ، وقال الحسن في المشركين: بعضهم عبدوا الأصنام وقالوا: شفعاؤنا عند الله ، وبعضهم عبدوا الملائكة وقالوا: إنهم بنات الله ، وبعضهم عبدوا الكواكب ، وقال مجاهد: اليهود ، وقال ابن عباس وقتادة والسدى والضحاك: اليهود والنصارى ، وقال أبو هريرة: هم أهل الضلالة من هذه الأمة رواه مرفوعا إلى رسول الله A ، قال: قال رسول الله A: « الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ ، وليسوا منك ، هم أهل البدع ، وأهل الشبهات وأهل الضلال من هذه الأمة » والآية حث للأئمة على أن تجتمع على كلمة الحق .
وقال عمر: قال رسول الله A لعائشة رضى الله عنها: « إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة » وقرئ: فارقوا دينهم ، لأن من ترك بعض دينه فقد فارقه كله إلا كل شئ ذاهب منه بعضه بيتين وهى قراءة حمزة والكسائى ، وبمفارقته يكونون أيضا قد فرقوا .
{ وكانُوا شِيعًا } جمع شيعة كل شيعة تتبع إمامها أى تتبعه والشيعة الجماعة المتبعة لآخر { لسْتَ منْهُم في شئٍ } أنت برئ منهم وهم براء منك ، فكيف يتصل متبع الآباء والأهواء بمن يتبع البرهان من الله جل وعلا ، ومنهم متعلق بمحذوف خبر ليس ، وفى شئ يتعلق بذلك المحذوف أو يمنعهم لنيابته عنه ، ولا تستبعد هذا ، وقد عرفت أن الظروف ترفع الفاعل إذا تعمدت ، وشئ نكرة في سياق السلب ، فهى تعم بالنص ولو لم تكن فيها من الاستغراقية أو بالمبادرة لعدم من فشى يعلم السؤال عنهم وعن تفرقهم وعن عقابهم والشفاعة للفسقة منهم ، فالآية نص أو كالنص في أن لا شفاعة لأهل الكبائر ، أى أنت برئ منهم على كل وجه .
وقد علمت في رواية عمر وأبى هريرة أن الآية في أهل البدع من هذه الأمة ، وكذا قالت أم سلمة رضى الله عنها زوج النبى A ، وكذا إذا كانت فيهم وفيهن لا شفاعة لهم بالإجماع ، وهم المشركون أهل الكتاب أو غيرهم ، وإن قيل: هى فيمن لا شفاعة له بالإجماع ، فاللفظ عام والعبرة بعمومه ، والعلة التفرق فليدر معها الحكم ، وقيل: المعنى لا تقاتلوا المشركين فننسخ بآية القتال وهو ضعيف .