{ ومَن يَرغَبُ } : هذا استفهام نفى وإنكار واستبعاد ، أى ولا يرغب { عَنْ مِلة إبراهيمَ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسهُ } : أى أهانها بتعرضها للعذاب حين عصى الله ، D ، وسفه لازم ، وإنما تعدى لتضمن معنى أهان كما علمت أو أذل أو أهلك أو خسر ، كما فسره ابن عباس به ، أو جهل فإن من عصى الله ، جل وعلا ، كأنه جهل نفسه مخلوقة الله واجبًا عليها عبادته ، وقد جاء من عرف نفسه فقد عرف ربه ، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود عليه السلام: اعرف نفسك واعرفنى . قال: يا رب كيف أعرف نفسى وكيف أعرفك؟ قال: اعرف نفسك بالعجز والضعف والفناء . واعرفنى بالقوة والقدرة والبقاء . قال المبرد وثعلب: ( سفه ) بالكسر متعد ، و ( سفه ) بالضم لازم ، ويدل له ، قيل: ما في الحديث الكبر أن تسفه الحق وتقمص الخلق . وروى الناس وذلك رواية التخفيف ولا دليل فيه لا حتمال التأويل بنحو أهان ، وببعض أوج التأويل في الآية والقمص والاستصغار ، والغمط ( بالطاء ) التحقير . وقيل الأصل سفه بالرفع فنصب على التمييز المحول عن الفاعل على قول الكوفيين على جواز تعريف التمييز ، كما قيل غين رأيه وألم رأسه وقول جرير:
ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام
بنصب الظهر على التمييز ، مدح النعمان بأنهم يبقون بعده في عيش لا خير فيه وذناب الشئ عقبه ، والجمل الأجب الظهر هو الذى قل لحم ظهره حتى كان لا سنام له ، والسنام الذروة شبه العيش الضعيف بذلك ، والأوضح إذا صبر إلى هذا التأويل أن يذكر بدله أن النصب على التشبيه بالمفعول به في قوله: ( سفه نفسه ) ونحوه ، كالبيت يجوز كون أل فيه زائدة ، وقيل النصب على نزع الخافض ، أى سفه نفسه أو في نفسه ، والملة الشريعة والطريقة ، والسفة الخفة وعدم الرشد في العقل والقول ، والمستثنى بدل بعض من الضمير في يرغب ، أو نصب على الاستثناء ، والبدل أولى لتقدم النفى بمن ، كأنه قيل: لا يرغب أحد عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ، وسبب نزول الآية: أن عبد الله بن سلام دعا ابنى أخيه إلى الإسلام مهاجرا وسلمة ، وقال لهما: قد علمت أن الله تعالى قال في التوراة: إنى باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد ، فمن آمن به فقد أهدى ، ومن لم يؤمن به فهو ملعون . فأسلم سلمة وأبى مهاجر ، فنزلت . وفيها تعريض لليهود والنصارى ومشركى العرب ، لأن اليهود والنصارى يفتخرون بالنسبة إلى إبراهيم ، لأنهم من ولد إسرائيل ، والعرب يفتخرون به لأنهم من ولد إسماعيل ، فأخبر الله أن من رغب عن ملة محمد فقد رغب عن ملة إبراهيم ، لأنها واحدة فقد كذب في افتخاره . وقرأ هاشم أبراهام بالألف في جميع هذه الصورة ، وفى السناء ثلاثة أحرف وهى الأخيرة ، وفى الأنعام الحرف الأخير ، وفى التوبة الحرفين الأخيرين ، وفى إبراهيم حرفًا وفى النحل حرفين وفى مريم ثلاثة أحرف ، وفى العنكبوت الحرف الأخير ، وفى حمعسق حرفا .