فهرس الكتاب

الصفحة 2142 من 7680

{ فَمَن يُرد اللهُ أنْ يَهْديه يَشْرح صَدْره للإسْلامِ } الفاء تعليل للإصابة ، لأن الإصابة تختص بمن لم يشرح صدره وقام التعليل بمفهوم هذا الكلام وبما بعده ، ومعنى الهداية ، والشرح هنا واحد وهو توفيق القلب لقبُول الحقن والرغبة فيه ، والصدر القلب ، سمى صدرا لأنه فيه ، والشرح التوسيع بأن يقبل الحق ويرغب فيه ، وينبسط له ، ولا ينفر عنه لما فيه من رضا المحبوب سبحانه وتعالى ، والفوز بالجنَّة والنجاة من النار ، وذلك توفيق ، ولما نزلت الآية سئل رسول الله A عن شرح الصدر فقال: « نور يقذفه الله في قلب المؤمن وينشرح له وينفسح » قيل: فهل لذلك أمارة؟ قال: « نعم الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله »

{ ومَنْ يُردْ أن يُضلَّه } عن الحق { يجْعَل صَدْره ضيِّقًا } عن الحق نافرًا عنه غير منفسح ، غير راغب فيه ، ولا منبسط لهُ إذ لا يرى داعية إليه محبوبه سبحانه وتعالى ، ولا يعتقد فيه خيرًا يصيبه كفوز بالجنة عن النار ، وذلك لجعل ضيقًا هو نفس الإضلال ، وكلاهما هو الخذلان ، وضد الشرح المذكور وعلامته الركون إلى الدنيا بحيث لا تنشط جوارحه للاستعداد للآخرة ، ولا يستنشطها ، بل يتركها ويهملها وقرأ ابن كثير ضيقًا بإسكان الياء وهو وصف مخفف من ضيق بالتشديد أو مصدر أو خبر به عن الجثة مجاز مبالغة كأنه نفس الضيق لعظم ضيقه ، أو بتقدير مضاف ، أى ذا ضيق ، أو تأويله بالوصف ، أى ضائقا ، وكونه وصفًا مخففا أولى .

{ حَرجًا } صفة مشبهة ، أى متعطلا لا يصل إليه الحق ولا يتأثر به ، ولا منفذ فيه للحق ، قاله الكلبى وعن ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه ، وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح لها ، قرأ عمر الآية وعنده أعرابى من كنانة فقال له: ما الحرجة فيكم؟ قال: الشجرة التى لا تصل إليها الدابة ترعاها ، ولا الإنسان يقطعها لمنفعة ، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شئ من الخيرن وروى أن عمر رضى الله عنه قرأها يوما بفتح الراء فقرأها بعض الصحابة بكسرها ، فقال: ابغونى رجلا من كنانة وليكن راعيًا ، وليكن من بنى مدلج ، فلما جاءه قال له: يا فتى ما الحرجة عندكم؟ قال: الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية ، قال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شئ من الخير .

وقرأ ابن عباس فقال: هل ها هنا أحد من بنى بكر؟ قال رجل: نعم ، قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادى الكثير الشجر المشتبك الذى لا طريق فيه ، فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر ، يعنى لا يعى علمًا ولا دليل التوحيد ، وصف الله جل جلاله صدره بأنه ضيق نافر عن الحق ، ثم بأنه متعطل شبيه بذلك الشجر لا مطمع فيه ، ولو فسرنا ضيقًا بما فسرنا به حرجا ، وحرجا بما فسرنا به ضيقا لجاز ، لأن الحرج الضيق ، والجمع بينهما تأكيد ، والآية نصت أن الإيمان والضلال بمشيئة الله ، وكسر رائه قراءة نافع وعاصم من رواية أبى بكر عنه ، وقرأه الباقون بفتحها مصدرًا أخبر به عن الجثة المبالغة كأنه نفس الضيق ، أو بتقدير مضاف ، أى إذا حرج أو بمعنى الوصف ، وقيل المفتوح والمكسور كلاهما وصف ، والأظهر ما ذكرته ، وحرجًا مفعول ثان بعد مفعول ثان ، ومن أجاز وصف الصفة أجاز كونه نعتًا لضيقًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت