{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ } ؟ استفهام إنكارى ، أنكر الله جل وعلا جواز كفرهم شرعًا ، وجوازه عقلا . أو استفهام تعجبى دعاهم إلى العجب بكفر أنفسهم . وفيه دعاء غيرهم أيضًا إلى التعجب ، لأن العرب تخاطب الحاضر بصيغة التعجب ، وتريد تعجبه وتعجب السامعين . ويجوز أن يكون الاستفهام في الآية على طريق الاستفهام الإنكارى الظاهر ، وهو نفى الوقوع بصيغة الاستفهام ، كأنه قيل: إن الكفر بالله مع ما ذكر من الإمامة والإحياء والموت غير واقع ، تنزيلا له منزلة لم يقع إشعارا ببعده ، لقوة الصارف عنه والداعى إلى الإيمان ، حتى كأنه مستحيل ، فعبر عنه بصورة المستحيل كقولك: أتعيش بغير طعام وشراب؟ وقولك: أتطير بغير جناح؟ والإنكار بكيف ولو كان إنكار الحال الكفر التى يكون عليها ، لكنها إنكار لنفس الكفر بطريقة الكناية ، وهى أبلغ من التصريح ، لأنها كلام متضمن للدليل والبرهان . وبيان ذلك أن المخلوق يوصف بالأحوال ولا يتصور بدونها ، فاذا نفيت الحال أصلا كان نفيك له نفيًا لممكن الوجود والاتصاف لها إذا وجد لكانت له حال ولا بد ، فلما نفى حال الكفر كان نافيًا للكفر من أًله لعدم تصوره بلا حال . وقد علمت أن نفيه على طريق تصويره بصورة المحال ، وكأنه قيل لو كان هو موجودا لكانت له حال ، لكنه لا حال فليس موجود ، فهذا برهان ودليل ، ولا تنكر قولى أن المخلوق لا بد له من حال بنحو الجبل الثابت فإن عرضه حال وطوله حال ، وغلظه حال ، وخشونته حال ، وملاسته حال ، وإتيان الليل عليه حال ، وظلمته حال ، وإتيان النهار عليه حال ، وتنوره حال ، ولونه حال ، وتركيبه حال ، وحلوله على الأرض حال ، وحلول ما حل في الهواء من الإنكار بالهمزة لأنها للسئوال عن الشئ نفسه ، وأنسب لما بعده من الحال وهو قوله جل وعلا: { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } ، وتتضمن كل من الإنكار والتعجب توبيخًا . والخطاب لكفار العرب ، وصفهم أولا بسوء الاعتقاد والقول والفعل على طريق الغيبة ، ثم خاطبهم على طريق الالتفات ووبخهم على كفرهم المصاحب لعلمهم بالموت والإحياء والإماتة ، والإحياء المقتضى أن يكونوا مؤمنين ، أى أخبرونى على أى حال تكفرون بالله .
{ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتا } : أشياء لا حياة فيها ، وهى مأكول ومشروب ، ثم ما يتولد منها غذاء للبدن ، ثم أخلاط ونطف وعلق ومضغ . والحملة من واو تكفرون بدون تقدير قد أو بتقديرها . فمذهب البصريين - إلا الأخفش - لزوم قد مع الماضى المثبت مطلقا ، ظاهرة أو مقدرة ، وقال الأخفش والكوفيون: تلزم مع المقرون بالواو ، وتجوز في المقرون بالضمير والواو ، أو بالضمير وحده . والأصل: عدم التقدير ولا سيما مع الكثرة والأكثر في الماضوية المثبتة الحالية قرنها بالواو وقد والضمير ، ثم بقد والضمير ، ثم بالواو والضمير ثم بالضمير ، ذاكره ابن مال: وجعل ابنه الرابعة أكثر من الثالث .