فهرس الكتاب

الصفحة 1663 من 7680

{ لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلا مَن ظُلِمَ } : الاستثناء متصل على حذف مضاف ، أى الا جهر من ظلم ، والنصب على الابدال من الجهر أولى منه على الاستثناء لتقدم النفى واتصال الاستثناء ، وكلا الوجهين استثناء ، والمعنى أن الله أباح جهر المظلوم بالسوء وهو الدعاء على الظالم بما يسوءه مما لا يتعدى فيه الحق ، مثل أن يدعو عليه بالنار ، أو بأن يصيبه الله بمثل ما أصابه من الظلم ، ومثل أن يذكره باسم الظالم والفاسق ، ونحو ذلك من الأسماء التى سمى بها فاعل الذنب الكبير ، ومثل أن يقول: ظلمتنى أو ضربتنى أو سرقت مالى .

قال ابن عباس: وان لم يدعه بل صبر له خير ، ومعنى لا يحب الله لا يبيح الله ، وذلك من استعمال المقيد في المطلق ، فان الحب من الله تعالى للشىء اباحة له مع الأمر به ، واستعمل هنا في معنى الاباحة مطلقا ، فانه تعالى لا يأمر المظلوم بالجهر بالسوء ، ولكن ان جهر لم يعاقبه وان أبقى الحب على ظاهره من اباحته تعالى الشىء والأمر به كان الاستثناء منقطعا لما علمت من أنه لا يأمر بالجهر بالسوء المظلوم ، كما أن الاستثناء منقطع اذا لم تقدر المضاف ، أى لكن من ظلم له الجهر بقى أن الله كما لا يحب الجهر بالسوء لا يحب الاسرار به جزما .

الجواب والله أعلم: أنه ذكر الجهر لأنه غالب أمر المظلوم ، فليس بقيد ، أو أنه واقعة حال جهر مظلوم بسوء ، فعوتب فنزلت الآية ، أو يقدر العطف أى الجهر بالسوء من القول والاسرار به ، ولا تكلف في تقديره ، لأنه معروف أن الاسرار أيضا لا يجوز .

روى أن قوما ضافهم رجل ليلا فلم يطعموه ، فشكاهم صباحا فعوتب على الشكوى فنزلت الآية ، فهذه واقعة حال فيما جهر ، كما أشرت اليه آنفا .

وقال مقاتل: نزلت الآية في أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، اذا شتمه رجل مرارا وهو ساكت ، ورسول الله حاضر جالس ، ثم رد عليه فقال النبى A فقال أبو بكر: ستمنى وأنت جالس ، فلما رددت عليه قمت ، فقال A: « ان ملكا كان يجيب عنك ، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجىء الشيطان » والمشهور أنها نزلت في الضيف المذكور .

وعن مجاهد وغيره: نزلت في الضيف المحول رحله ، فانه رخص له أن يجهر بالسوء من القول الذى لم يكرمه ، بل أعرض عنه حتى حول رحله ، مع أن أمر الضيافة واجب ، ففى الآية على هذا تسمية حرمان الضيف ظلما ، قال مجاهد: يقول الضيف: الفعل به لم ينزلنى ، أو فعل الله به أنزلنى ، وأساء ضيافتى له ذلك ، ولكن العبرة بعموم اللفظ ، ولو كان سبب النزول خاصا ، فالآية شملت كل مظلوم الا ما قام الدليل على منعه ، مثل أن تقول امرأة: زنى بى فلان ، لأنها تجلد حين لا بينة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت