{ وما أرسَلْنا مِن قَبلكَ إلا رجَالًا } رد على من قال: { لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } وقال ابن عباس: ذلك نفى لاستنباء النساء ، ويقال لمن ادعت النبوة: لم تزل أنبياء الله ذكرانا ، والمراد بالإرسال الجعل أنبياء ، سواء مع رسالة أو عدمها ، وما ذكرته أولا أولى من قول ابن عباس ، لأنهم لم يدعوا بنبوءة امرأة ، ويرد عليهم بذلك ، اللهم إلا أن يراد مجرد الإخبار بأن المرأة لا ترسل ، وأراد ابن عباس أن الآية تنفى نبوتها ، ولو كان المقصود بالذات فيها نفى رسالة الملك ، ويجوز أن يراد بيان خطئهم في استهزائهم وتهكمهم في أخت العباس ، لما رأت في المنام ما يدل على هلاكهم في بدر ، إذ قال بعضهم للعباس: متى حدثت هذه النبية فيكم؟ وقد مر بيان ذلك ، ولو كان بين نزول هذه السورة وقولهم ذلك مدة .
{ نُوحى إليْهم } قال أبو عمرو الدانى: قرأ حفص نوحى إليهم ، هنا ، وفى النحل ، والأول من الأنبياء بالنون وكسر الحاء والباقون بالياء وفتح الحاء ، وحمزة والكسائى يميلان على أصلهم انتهى .
{ مِنْ أهلِ القُرى } المراد ما يشمل الأمصار ، وذلك لأنهم أعلم وأحلم من أهل البدو ، ولم يبعث الله نبيا من أهل البدو لجهلهم وجفائهم وقسوتهم ، ولا يعترض ذلك ببدو يعقوب ، لأن بدوه لم يكن في أهل عمود ، بل باستقرار ومنازل وربوع ، بل قد بنى بيتا سكنه ، ومر كلام في ذلك أو جعله بدوا بالإضافة إلى مصر .
قال رسول الله A: « فضيلة أهل المدائن ، أى الأمصار ، على أهل القرى كفضيلة الرجال على النساء وفضيلة أهل القرى على أهل العمود كفضيلة الرجال على النساء ، وأهل الكفور كأهل القبور » فقيل: ما الكفور؟ فقال: « البيت بعد البيت » وقال: « ما من ثلاثة يكونون في قرية البدو ولا يُجمعون للصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، وإنما يأخذ الذئب من الغنم القاصية » وقال: « الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأتى الشاة القاصية ، عليكم بالمساجد والجماعة والعامة ، وإياكم والشعاب » .
وكان معاذ على بعض أهل الشام فجاءه ناس من أهل البادية فقالوا له: قد شقت الإقامة ، فلد بدأن بنا ، فقال لعمرى لابداء لكم قبل الحاضرة أهل العبادة وأهل المساجد ، سمعت رسول الله A يقول: « عليهم تنزل السكينة ، وإليهم يأتى لاخير ، وبهم يبدأ يوم القيامة » قال والخير الوحى ، ولا نبى من الجن بعد خلق آدم ، وأما قبله فقيل: كانت الجن تعمر الأرض وأنبياءهم منهم لا من النساء ، وفى نبوءة بعض النساء خلاف أذكره في سورة القصص إن شاء الله ، والتبدى مكروه إلا في الفتن والهروب بالدين ، فلا يكره بل يستحب ، وإن تحقق فساد الدين بعدمه وجب ، وهذا كله مع إبقاء وطنه في الحضر .