{ قُلْ } يا محمد { يا أيُّها الناسُ إنِّى رسُولُ اللهِ إليْكم جَميعًا } حال من الكاف ، وإلى الأنبياء والرسل وأممهم من قبلى ، وما بعث نبى إلا أخذ عنه ميثاق أن يؤمن به ، وإلى الجن ، وإلى الجماد والحيوانات كلها والملائكة قاله بعضهم ، وذلك حض على اتباعه ، وأحلت له الغنائم ، ونصر بالرعب أمامه شهر أو تقدم مما خصت به أمته معه شئ ولم يعط ذلك غيرهز
{ الَّذِى } مفعول لأعنى محذوفا أو خبر لمحذوف ، وذلك على المدح ، أو مبتدأ خبره لا إله إلا هو ، أو نعت لله فصل بينهما بمعموليه ، قيل: لأنهما كالمتقدم على لفظ الجلالة { لَه مُلْك السَّموات والأرْضِ } فهو المدبر والمالك ، وهو الذى أمرنى أن أخبركم برسالتى إليكم ، وكونه مالك السموات والأرض ، موجب لأن يذعن له في الرسالة من شاء وغيرها .
{ لا إلَه إلاَّ هُو } إذا لم يجعل خبرا للذى فهو بدل اشتمال من قوله: { له ملك السموات والأرض } لا بدل كل ، ولا عطف بيان منه لتغايرهما ، وأيضا عطف البيان على ما اشتهر يختص بالأسماء ، لا يكون في جمل خلافا لجار الله ، وأيضا ليست هذه لمجرد الإيضاح والتفسير ، نعم بينهما وبين الجملة قبلها سببية ، فإن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة ، فليست بأجنبية ، ولذلك قلت: إنها بدل اشتمال ، وهى تتضمن بيانا للجملة قبلها .
{ يُحْيى ويُميتُ } بدل اشتمال ثان على إجازة تعدد البدل ، أو بدل من البدل على إجازة الإبدال من البدل ، أو مستأنف ، وعلى كل حال ففيه تقدير للألوهية ، لأن غيره لا يقدر على الإحياء والإماتة ، فليس بإله ولا بمرسل نبيا { فآمنُوا بالله ورسُولِه } قدم الله لأن الإيمان به أوجب وأصل { النَّبىَّ الأمىِّ } هذا من كلام الله ، فليس فيه التفات ، وإن قيل: إنه من كلام رسوله المأمور بقوله ، ففيه التفات من تكلم لغيبة في الالتفات مزية بلاغة ، والأصل فآمنوا بالله وبى .
وعلى الوجهين ففى الكلام التعبير بالظاهر وهو رسول مكان المضمر ، إذ الأصل على الوجه الأول فآمنوا بالله وبه ، وعلى الثانى فآمنوا بالله وبى ، ونكتته إجراء الصفات عليه ، وتأكيد الرسالة ، وإيذان بان الذى يجب الإيمان به هو رسالته ، وهو المعنى بالإيمان به ، وبأن موجب الإيمان والرسالة في أى إنسان كانت ، وفى ذلك إظهار للإنصاف وتبرؤ من العصبية لنفسه ، ونكتته أيضا إجزاء الصفات الداعية إلى الإيمان به والاتباع له .
{ الَّذِى يُؤمنُ باللهِ وكَلماتِه } ما أنزل عليه وعلى غيره من الأبياء من الكتب والوحى ، وقرأ عيسى بن عمر: وكلمته بالإفراد على إرادة الجنس ، أو القرآن أو عيسى ، وبه قال مجاهد ، وإنما سمى كلمة لأنه لم يكن لوجوده سبب سوى قول الله سبحانه: { كن } ولم يكن من نطفة رجل ولا امرأة ، وقيل: كان من نطفة تحدرت من أمه ، ويجوز أن يراد بكلماته أو كلمته ما تكوَّن به عيسى وغيره من المخلوقات وهى كن ، وزعموا عن قتادة أن المراد بآياته القرآن ، وزعموا عن مجاهد والسدى أن المراد بكلماته بالجمع أيضا عيسى ، وفى التفسير بعيسى في الإفراد أو الجمع تعريض باليهود أن من لم يؤمن به فلا إيمان له ، وفى التفسير بكتب الله ووحيه تعريض بأن من أنكر حرفا لم يكن مؤمنا ، وقرأ الأعمش: الذى يؤمن بالله وآياته .