{ إِذْ قَالَ الحَوَارِيُّونَ } : اذكر يا عيسى أو يا محمد أو اذ بدل من قيله ، لأن الزمان الممتد يعتبر وحدًا لأمر ما ، كوقوع أشياء فيه ، فيبدل منه بدل شىء أو متعلق بقالوا ، وفى تعليقه بقالوا دلالة على أن قولهم: { آمنا واشهد بأنا مسلمون } ليسى من تحقيق ورسوخ لقولهم ما ذكر الله عنهم بقوله D:
{ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَآءَ } : فان من حقق الايمان ، ورسخ فيه ، لا يشك في أن الله تعالى قادر على انزال المائدة من السماء ، وعلى كل ممكن ، ويدل على عدم التحقيق والرسوخ أيضًا وعلى أنهم شكوا قوله تعالى:
{ قَالَ } : أى عيسى .
{ اتَّقُوا اللهَ } : من مثل هذا السؤال ، فانه سؤال من شك وسؤال تعنيت ، فمن لم يؤمن فانه سؤال لم يسأله أحد قبلكم ، وقيل: اتقوا الله في أمره ونهيه ليعطيكم سؤالكم هذا .
{ إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ } : بالله وكمال قدرته ، أو ان كنتم مؤمنين بالله حقًا ، فان من تحقق ايمانه يتحقق عنده أن الله قادر على انزال المائدة ، أو ان كنتم مؤمنين بنبوتى ، أو صادقين في دعوى الايمان ، وهذا قريب من الوجه الثانىن وكل واحد من الأوجه يستلزم الباقية .
وقيل: ليس قوله: { هَلْ يَسْتَطِيعُ } شكًا في قدرة اللهن بل معناه هل يكون في حكمة الله وارادته أن ينزل علينا مائدة من السماء ، وكان لفظ الكلام بلفظ يستطيع ، لأن الحكمة والارادة اذ كانتا في شىء لله كانت الاستطاعة ، ومثله قولك تأدبا: هل تقدر أن تذهب معى لمن علمت أنه يقدر أن يذهب معك؟ أى هل تريد الذهاب معى وتراه صوابًا ، واختار بعضهم هذا .
وقيل: المعنى هل يحييك ربك من استطاع بمعنى أطاع ، أى أجاب كاستجاب ، بمعنى أجاب وعليه يحمل ما ورد في بعض الآثار: من أطاع الله أطاعه الله ، أى سخر له ما يحب ، وما في قراءة بعض { انما يخشى الله من عباده العلماء } برفع لفظ الجلالة ونصب العلماء أى أيعظمهم ، وبهذا قالت عائشة رضى الله عنها اذ قالت: هم أعلم من ذلك ، ولكن أرادوا: هل تقدر على ذلك منه ، وقرأ الكسائى: هل تستطيع ربك المثناة الفوقية خطابًا لعيسى ، وادغام اللام فيها ، ونصب ربك ، أى هل تستطيع سؤال ربك أن ينزل علينا مائدة ، فيكون في هذه القراءة أن ينزل معمولا للسؤال المقدر ، والمائدة الخوان اذا كان عليه الطعام من ماد الماء وغيره يميد اذا تحرك ، كأنها تحرك جانبًا لامتلائها ، أو من مادة اذا أعطاه كأنها تعطى من تقدم اليها كما تقول: شجرة مطعمة ، وأطعم النخل وتغلبت عليه الاسمية .