{ فلمَّا رأى الشَّمس بازغةً قالَ هَذا ربِّى } ذكر بلغته عليه السلام أن هذا الشئ المنير الطالع ربى ، وإذا ذكره عنه الله تعالى مذكرًا مع أن الشمس مؤنث ، لأن المؤنث المجازى يؤنث في الإشارة ، أو ذكره الله تعالى لتذكير الخبر ، والمراد أن هذا الطالع ربِّى ، وأن هذا الكوكب ربِّى ، فإن الشمس كوكب يزول به الليل ، واختير أن يقال ذلك صيانة عن التأنيث في حق الله ، كما يقال: الله علام الغيوب ، ولا يقال علامة مع أن علامة أبلغ لصورة تاء التأنيث ، ولو كان يستعمل فيما ذكره .
{ هذا أكبر } من الوكب والقمر ، فإن كان في الكواكب شئ من الآلهة فهو الشمس ، وذلك منه مجاراة للخصم حتى يعثر وقد عثروا ، وافتضحوا بقوله الذى ذكره الله عنه جل وعلا وهو قوله:
{ ولما أفلَتْ قالَ يا قَوْم إنِّى برئٌ مما تُشْركونَ } مما تشركونه بالله تعالى من مخلوقاته ، أو برئ من إشراككم ، وإنما احتج في الشمس بالأفول على أنها ليست ربًا لا بالبزوغ ، مع أن البزوغ أيضا انتقال وتحرك لزيادة دلالة الأفول على دلالة البزوغ ، بأن الأفول احتجاب ، والمحتجب لا يكون ربًا لزوال حكمه عن مربويه إذا احتجب ، والبزوغ ولو دل على الاحتجاب لكن مشاهدة الاحتجاب بعد الظهور وهو الأفول أعظم دلالة من احتجاب المنزه عن البزوغ ، ولأن في الأفول انتقالا من القوة إلى الضعف ، بخلاف البزوغ ، وأيضا بينما هو في النظر والتفكر وقع بصره على كوكب مضئ بعيد ، ولما رآه انتقل إلى الأفول من الحضور علم أنهُ غير إله لانتقاله من القوة إلى الضعف .
ثم طلع القمر في أثناء تقرير هذا الدليل ، فأعاد ذلك الكلام ، وكذا الشمس وأفول النجم والقمر حقيق كأفول الشمس ، والمتحقق في مجلس المناظرة هو الأفول دون البزوغ فاحتج به ، ولو صلح البزوغ للاستدلال ، وقيل: سهر الليل كله ، فلما بزغت الشمس زال ضوء القمر قبلها لانتشار ضوئها ، أو دنا من مغربه فسمى ذلك أفولا لقربه من الأفول التام على تجوز في التسمية ، وهذا الترتيب يستقيم في الليلة الخامسة عشر من الشهر إلى ليلة عشرين ، ولو قدرنا هذا الترتيب بغيوب القمر في مغربه لم يغب إلا بعد طلوع الشمس ، ولما بطل أن تكون الأشياء المذكورة آلهة لم يبق أن يكون إلهًا إلا الله فقال: