{ وَلَتَجِدَنَّهُم } : تعلمنهم والمضارع هنا للحال المستمرة قبل وبعد أو للاستقبال ، أى تعلم وقتك هذا أنهم أحرص الناس بعد عدم علمك بحرصهم أو بعد علمك بأنهم حريصون ، لأنهم أحرص عن جميع الناس والضمير المنصوب محلا لليهود .
{ أَحْرَصَ النَّاسِ } : أى أحرص من غيرهم من الناس كلهم ، وإنما يضاف اسم التفضيل لما هو بعضه وهم بعض الناس في الجملة لا في الآية ، ومرادى أن يضاف إلى لفظ شامل له بحسبه وضع اللغة لا بحسب المراد منه في المقام ، فإن لفظ الناس بحسب اللغة شامل لليهود ولا يشملهم في الآية ونحوها ، إذ لا يفضل الشئ على نفسه وغيره ، كما لا يفضل على غيره ، وأجاز الكوفيون أن يضاف إلى ما ليس هو بعضه ، ولما أضيفه إلى معرفة جاز إفراده ، ولو وقع على جماعة ولو طابق ما وقع عليه لقيل أحرصى الناس بياء الجمع ، ويحذف نونه للإضافة ، قال ابن هشام والغالب ترك المطابقة كما في الآية ، وابن السراج يوجبه يعنى يوجب تركها ويرده إلى أكابر مجرميها ، وإن جعل أكابر غير مضاف لمجرميها بل مفعولا ثانيًا ومجرمى أولا لزمه ثبوت المطابقة مع التجرد من أول الإضافة لمعرفة إذا قيل أكابر الأكبر وذلك لا يجوز . انتهى بصرف وزيادة إيضاح .
{ عَلَى حَيَاةٍ } : نكر الحياة للتعظيم وللدلالة على النوع . والنوع فردا لجنس ، وإن شئت فقل للدلالة على فرد من أفراد الحياة ، والمراد حياة متطاولة ، فالتنكير أبلغ من قراءة أبى ، أحرص الناس على الحياة بالتعريف ، وإقسام الله على أنهم أحرص الناس على حياة ، تذييل وتقرير بقوله: { ولن يتمنوه أبدًا } .
{ وَمِنَ الذينَ أُشْرِكُوا } : عطف على من التى يتضمنها قوله أحرص الناس وعلى الناس فهو من العطف على المعنى المسمى في غير القرآن عطف التوهم ، إذ المعنى أحرص من الناس والذين أشركوا العرب والمجوس ونحوهم ممن أنكر البعث للثواب والعقاب ، فإن العرب تنكره والمجوس كذلك ، وتقول المجوس بالنور والظلمة ، وقيل لم يقولوا أيهما ، وقيل المراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون ملوكهم عشر ألف نيروز وألف مهرجان يعنون أعيادهم ، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم زه هزار سال ، أى عش ألف سنة ، وقال السحن: المراد مشركو العرب ، وخص المشركين المنكرين للبعث بالذكر مع شمول لفظ الناس لهم ، ومع أن النصارى أيضًا حريصون على الحياة ، وكذا غيرهم للمبالغة ، إذ حرص من ينكر البعث على الحياة شديد لاقتصار همتهم على الحياة الدنيا وعدم اعتقادهم الجنة والنار ، فضلا عن أن يرجو الحياة الآجلة والجنة ، أو خصهم بالذكر لزيادة توبيخ اليهود ، والتقريع عليهم وإيضاح كذبهم ، لأنهم مقرون بالجنة مدعون أنها لهم ، فلو صحت دعواهم لأحبوا الموت ليدخلوها ، ولكانوا غير حراص على الحياة ، فلما كانوا أحرص عليها ممن لا يعتقد الجنة ، علمنا أنهم كرهوا الموت لعلمهم أنهُ لا خير لهم في الآخرة ، وما لهم فيها إلا النار ، فكرهوا الموت لئلا يدخلوها بخلاف من أنكر البعث ، فإن حرصه على الدنيا إنما هو لزوال لذتها عنه بالموت لا لخوفه من النار ، لعدم اعتقاده إياها فلم يكن حرصه كحرص هؤلاء الأراجس اليهود ، بل دونه ولم يستبعد حرصهم مع دعواهم الجنة مستبعد لأنهم لم يحرصوا ليزيلوا عبادة فكانوا أحقاء بالتوبيخ الشديد ، ويجوز كون المعطوف محذوفًا أى وأحرص من الذين أشركوا دل عليهِ أحراص الناس ، وذكر ابن هشام أنهُ يحذف المعطوف ، ويجب أن يتبعه العاطف .