{ وإنْ نكثُوا } نقضوا ، وأصله نقض ما قتل ، واستعير لإبطال العهد { أيْمانَهمْ } حلفانهم على أن لا يقاتلوكم ، ولا يظاهروا أحد على قتالكم { مِنْ بَعْد عَهْدهم } بعدم القتال والمظاهرة ، وذكر هذا التكرير ليزدادوا به قبحا عند السامع ، فإن عهدهم هو حلفهم على ذلك ، ويجوز أن يراد بالعهد الإقرار بأن لا يقاتلوا ، ولا يظاهروا بالأيمان الحلف على ذلك ، فلا تكرار ، وهذا الوجه أولى { وطَعَنُوا } نقصوا ، وأصل الطعن الضرب في الشىء ، واستعير لما ينقص في الإسلام مثل تكذيبه والحرب { في دِينكُم } بتكذيبه وتقبيح الأحكام ، ولا يخلوا النكث عن الطعن ، وقد يقال: قوله: { وطعنوا في دينكم } تفسيرا للنكث وإعلاما بأن الطعن فيه نكث ، فيكف القتال والمظاهرة .
{ فقاتِلُوا أئمَّة الكُفْر } الأصل فقاتلوهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ، للدلالة على أنهم صاروا بالنكث والطعن رؤساء في الكفر ، وبالغوا فيه ، فهم أحقاء بالقتل ، والضمائر للمشركين الذين عاهدوا .
وعن الكلبى: المراد المصالحون عام الحديبية ، وكانوا ردوا رسول الله E ومن معه عن البيت ، وعن نحر البدن ، على أن يخلوا مكة له في العام القابل ثلاثة أيام ، وأن لا يأتيهم بسلاح إلا سلاح في قراب ، ومن صبأ إليه يرده إليهم ، فنقضوا حين أعانوا على خزاعة ، وهم في ذمة رسول الله A ، فركب ثلاثون رجلا من خزاعة إلى رسول الله A ، فيهم بديل بن ورقاء ، فأخبروه بالغدر ، وطلبوا منه النصر ويأتى ذلك في قصة الفتح إن شاء الله .
ورد ذلك ، وقيل: المراد بأئمة الكفر الرؤساء من المشركين المعاهدين الماكثين الطاعنين ، وخصهم بالقتال ، لأن قتلهم أهم وللمنع من مراقبتهم ، ولأن قتالهم قتال الأتباع ، والآية على العموم والدوام ، وقال ابن عباس ، وقتادة: أئمة الكفر: أبو سفيان بن حرب ، والحارث بن هشام ، وأبو جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وسهيل بن عمرو ، وعكرمة بن أبى جهل ، وغيرهم من رؤساء قريش الذين هموا بإخراج الرسول من مكة .
ورد بأن الآية نزلت بعد بدر بكثير ، إلا إن أراد بذكر هؤلاء التمثيل لأعيانهم ، وقال مجاهد: أئمة الكفر: فارس والروم ، وقال وقال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه: لم يجىء هؤلاء بعد ، فيحتمل أن يريد أنهم لم يجيئوا كلهم ، بل جاء بعض ، وبقى من بقى ، فهم يجيئوا إلى يوم القيامة ، فيوافق ما ذكرت من أن الآية على العموم والدوام ، ويحتمل فيما قال بعض: إنه يريد اليهود الذين يجيئون مع الدجال في آخر الزمان ، فإنهم أئمة الكفر في ذلك الزمان .
وقيل: الضمير في نكثوا وما بعده عائد للذن تابوا ، وأقاموا الصلاة ، وأتوا الزكاة ، فالمراد بالنكث الرجوع إلى الكفر ، وتسهيل الهمزة الثانية في أئمة قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبى عمرو ، وروى عنهم إبدالها ياء ، وروى عن نافع تخفيفها كالباقين المحققين لها حيث وقع لفظ أئمة ، وروى عنه مد الهمزة الأولى بإبدال الثانية ألفا وروى هشام ، عن ابن عامر: إدخال ألف بينهما ، والمشهور عنه التحقيق ، وقال الفراء ، وتبعه جار الله ، والقاضى: أن إبدالها ياء لحن ، وليس كذلك ، بل الجمهور من النحاة والقراء على جواز التسهيل ، جواز قلب الثانية ياء .