{ وإذا رأيتَ } يا محمد أو يا كل من يمكن منه أن يرى ، وعلى كل حال يدخل غير رسول الله A ، لأن حد رسول الله A وحد غيره سواء ، لا بدليل الخصوصية ، ولقوله تعالى: { ولقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله } الآية .
{ الذين يخُوضُون في آياتِنا فأعْرِض عَنْهم حتَّى يخُوضُوا في حَديثٍ غَيرِه } المفعول الثانى لرأيت محذوف ، أى إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا يخوضون فيها ، أى إذا علمتم يخوضون ، لأنه من رأى إنسانًا يفعل شيئا علم أنه يفعله ، وباعتبار هذا صح في كل رؤية بصر أن تجعل علمية باعتبار ما يحصل من العلم في القلب برؤية العين ، والرؤية بمعنى العلم تعم ما سمع وما أبصر ، وما حكى منه أن يقال إنهم يخوضون فلا يمشى إليهم بالقعود معهم ، ومعنى الخوض في آيات الله D التكلم فيها بالباطل ، كالكذب واللهو واللعب ، فأصل الخوض الدخول في الماء مع الانتقال فيه ، ويستعار للشروع في الحديث وغيره ، وأكثر ما يستعار لهُ إذا كان بوجه باطل ، أو كانوا إذا جلسوا خاضوا في آيات الله بالتكذيب والاستهزاء والطعن فيها ، فهذا الخوض خوض بباطل بقرينة المقام ، وفى قوله: { حتى يخوضوا في حديث غيره } مطلق الشروع في الحديث الذى ليس بذنب ، لأن الحديث الذى هو ذنب لا يجوز القعود إليه أيضًا ، ويجوز أيضًا أن يراد بالخوض الأول مطلق الشروع في ذكر آيات الله ، من حيث إنه إذا تناولوها فلا بد أن يخطوا أمر الله ورسوله والمؤمنين أن يقوموا عن مجلس فيه الخوض في آياته تعالى ، بحيث لو نهوا الخائضين لم ينتهوا ليكف الخائضون عن الخوض بالقيام إذا قاموا .
ومعنى الإعراض عنهم القيام عنهم ، وإن كانوا قيامًا أو ماشين ، فالذهاب عنهم ، والهاء في غيره عائدة إلى القرآن المدلول عليه بذكر الآيات في قوله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } ولا مانع أن يراد بالآيات مطلق الدلائل ، فيفرد الضمير لأن المعنى البرهان ، ولا شك أن الخوض المنهى عنه ، وعن الجلوس عنده هو الخوض في آيات الله بالباطل ، وأما الدخول في التكلم في صفات الله كما هو شأن المتكلمين ، فلا يدخل في هذا الخوض كما زعمت الحشوية متمسكين بالآية .
{ وإمَّا } إن الشرطية وما التى هى صلة للتأكيد ، أدغمت النون في الميم { يُنْسينَّك الشَّيْطان } النهى عن القعود إليهم حال الخوض أو أن ما هم فيه خوض فتقعد معهم وهم يخوضون ، وقرأ ابن عامر ، وابن عباس بفتح النون وتشديد السين { فَلا تَقْعد بعْد الذِّكْرى } بعد تذكرك أنك نهيت عن الجلوس إليهم حال الخوضن أو بعد تذكر إنما هم فيه خوض { مَع القَوم الظَّالمِينَ } أى معهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ، ليصفهم بأنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم بالخوض في آيات الله ، وليصفهم بالإشراك تنبيها على أن ذلك الخوض شرك ، والشرك ظلم { إن الشرك لظلم عظيم } أو ليصفهم بأنهم حمق إذ وضعوا الشئ في غير موضعه ، ومن معانى الظلم وضع الشئ في غير موضعه ، وذلك أنهم وضعوا التكذيب والاستهزاء في موضع التصديق والاستعظام ، ويجوز أن يكون المعنى: وإما ينسينك الشيطان قبح القعود عند الخوض في الآيات ، فلا تقعد بعد أن ذكرناك قبحة ، فلا تجالسهم وقم عنهم ، فإن مجالسة المستهزئ ينكرها العقل .