{ لهُ } أى الله { دَعْوة } أى دعاء وهو الطلب { الحقِّ } أى خلاف الباطل ، والمعنى أنه الأهل ، لأن تطلب منه الحوائج طلب حق ، لأن السميع العليم بما في الصدور ، القادر على قضائها وإجابتها ، وأما دعاء الصنم فدعاء باطل ، لأنه لا يسمع ولا يعلم ، ولا يضر ولا ينفع ، وأضيفت الدعوة إلى الحق للملابسة من حيث إنها بمعزل عن الباطل .
ويجوز أن تكون الدعوة بمعنى العبادة ، والحق أيضا خلاف الباطل ، والإضافة أيضا للملابسة ، أى عباد حق لا عبادة باطل ، ويجوز أن تكون الدعوة بمعنى الدعاء إلى عبادة الله ، أو إلى طلبه ، والإضافة للملابسة أيضا ، والحق خلاف الباطل أيضا ، وأما أن يقال: لإضافة إضافة موصوف للصفة أى دعاء الحق فضعيف عندى ، لأن الصحيح أن الموصوف لا يضاف للصفة ، فيجوز أن يكون الحق هو الله أى أنه الأهل والمختص بالدعوة المعهودة لأنها دعوة له ليست هى ولا شئ منها لغيره ، وهى أيضا طلبه أو عبادته ، أو الدعاء إلى طلبه ، أو عبادته ، ويجوز أن يكون الحق صفة لله ، أى دعوة الله الحق ، أو دعوة المدعو الحق ، فإن الهاء سواه ، أو مدعوًّا سواه غير ثابت وغير صادق ، ويجوز أن دعوة الحق بمعنى دعو التوحيد ، والحق التوحيد .
قال ابن عباسك الحق لا إله إلا الله ، فكأنه قيل: كلمة الحق الذى هو لا إله إلا الله ، سميت دعو لأنه يدعى إليها ، وقيل: المعنى الدعاء بالإخلاص هو الذى يظهر لى أنه الصحيح هو الوجه الأول ، ويدل له مقابله ذلك بقوله:
{ والَّذينَ يدْعُون } الخ ، وتضمن قوله: { هو شديد المحال * له دعوة الحق } التعريض والتلويح بشدة كيد الله في عامر وأربد ونحوهما ، وبإجابة دعاء رسول الله صلى الله عليهما وعلى نحوهما ، وبأنه على الحق دونه ، وبالوعيد على المجادلة في الله ، وذلكعام في الكفرة ، وإن قلنا: إنه وارد في عامر وأربد فغيرهما مثلهما ، والذين واقع على الأصنام وساغ ذلك لأنها عند عابديهما بمنزلة القلاء ، وواو يدعون للمشركين ، ورابط الصلة ضمير محذوف ، أى والأصنام الذين يدعوها المشركون ، أى يطلبونها ، ويدل على ذلك قراءة بعض: والذين تدعون بالفوقية ، ويجوز أن يقع الذين على المشركين ، والضمير يدعون لهم أيضا وهو الرابط ، والمفعول ظاهر محذوف يدل عليه قوله .
{ مِنْ دُونهِ } أى والمشركون الذين يدعون الأصنام من دون الله ، ورابط الخبر على هذا هو الهاء في قوله تعالى: { لا يسْتجيبُون لهم بشىءٍ } من طلبهم ، ورابطه على الأول واو يستجيبون وهى للأصنام على الوجهين ، ويضعف كون شئ مفعولا مطلقا مجرورا بياء متوصل بها للتأكيد ، أى لا يستجيبون لهم استجابة مَّا .
{ إلا كبَاسِطِ } أى الاستجابة كاستجابة باسط { كفَّيه إلى الماءِ } فالاستثناء متصل ، وقرئ تنوين بأسط فكفيه مفعول به ، أو الاستثناء منقطع ، فيكون المعنى لكنهم كباسط كفيه إلى الماء { ليبْلُغ } الماء { فاه وما هُو } أى الماء { ببالغِه } أى ببالغ الفم ، أو ما ذلك الباسط ببالغ الماء ، أى لا يظفر بالماء ، وذلك أنه يبسط كفيه بالإشارة إلى الماء ليأتيه من قعر البئر ، أو من مكان بعيد ، أو إلى إناء الماء فبشر به ، فليس الماء بالغا فاه ، ولا هو ظافرا به ، لأن الماء أو الإناء لا يشعر بإشارته وطلبه ، ولا يقدر على إجابته ولا طاقة له ، لأنه مطبوع بالسيلان إلى موضع مستو أو منحدر الإناء لم يطبع على الانتقال ، فكما أن هذا لا يتصل بالماء فيموت عطشا .