{ وعنْدَه مَفاتح الغَيْب } جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء بلا ألف بعدها ، وقيل: يجوز أن يكون جمع مفتاح بالألف ، قلبت ياء في الجمع وحذفت تخفيفا وهو خلاف الأصل ، وقرئ مفاتيح بالياء جمع مفتاح بالألف ، وترك الألف هو الأفصح ، والمراد بالفاتح والمفاتيح ما يفتح به الباب ، ومفرداما أسماء آلة ، وقراءة المفاتيح بالياء دلت أن المراد بالمفاتح بلا ياء جمع آلة الفتح ، والمعنى أن عنده لا عند غيره أمر المغيبات ، يخرجها ويظهرها إذا شاء ، لأنه عالم بها ، مالك لها ، كمن عندم مفتاح البيت إذا شاء فتحه وأخرج مما فيه ، ولكن ليست الآية في العطاء ، بل في أنه تعالى يعلم الغيب ، فتكون تقريرًا لقوله: { والله أعلم بالظالمين } ولكن تحتمل أن تكون في العطاء بمعنى أن عنده مفاتح الغيب ، إذا شاء أعطى من الغيب ، فعنده رزق هؤلاء الضعفاء المسلمين ، وسيفيض عليهم المال ، شبه الغيب بالخزائن المستوثق منها بالأقفال ، ولم يذكر المشبه به فرمز إلى التشبيه بذكر لازمه ، وهو آلة الفتح ، ويجوز أن يكون المفاتح بلا ياء جمع بفتح الميم والتاء بلا ألف وهو المخزن ، قال السدى مفاتح الغيب خزائن الغيب .
{ لا يعْلَمها إلاَّ هو } قال ابن عباس وابن عمر يرفعان الحديث إلى رسول الله A: إشارة بمفاتح الغيب التى لا يعلمها إلا هو إلى الخمسة التى في آخر لقمان { إن الله عنده علم الساعة } الآية ، قال موسى بن على ، عن أبيه: كنت عند عمرو بن العاص بالإسكندرية ، وقال لهُ رجل: زعم قسطال هذه المدينة أن القمر يكسف به الليلة ، وقال رجل: كذب ، هذا ما ظننت أنكم تعلمون ما في الأرض ، فكيف تعلمون ما في السماء ، فقال عمرو بن العاص: إن الله يقول: { إن الله عنده علم الساعة } الآية ، وما سوى هذا يعلمه قوم ويجهله آخرون ، وفى رواية عن ابن عباس خزائن غيب السموات والأرض من الأقدار والأرزاق ، وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض ، وعلم نزول العذاب ، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب ، وقيل: انقضاء الأجل ، وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتم أعمالها ، وقيل: هو علم مالم يكن أيكون أم لا يكون ، وعلم ما لا يكون كيف يكون لو كان يكون ، قال ابن مسعود رضى الله عنه: أوتى نبيكم A كل شئ إلا مفاتح الغيب ، والآية نص في أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها .
{ ويعْلَم ما في البرِّ والبَحْر } أى يعلم الغيب كما تشاهدون من البر والبحر ، وأل في البر والبحر للاستغراق ، والبحر الماء المغرق مطلقًا ، والمراد هنا البحر المحيط والبحار الصغار والنيل ودجلة وغيرهما ، وعن مجاهد البر المفاوز والقفاز ، والبحر القرى والأمصار ، ويعلم ما فيها من كلام وأصوات وخواطر قلوب ، وكل ما فيها ، وما يدث فيها من أجسام وأعراض ، والصحيح الأول وعليه الجمهور .