{ فَانُ زَلَلْتُم } : ملتم عن الدخول في السلم كافة ، بأن دخلتم في بعضه فقط ، أو دخل بعضكم فقط ، وقرأ أبو السمال: زللتم بكسر اللام ، وهو لغة كضللت وضللت ، وأصل ازلل في القدم كالزلق وزنًا ومعنى ، استعمل في الخروج عن الحق .
{ مِنْ بَعدِ ما جَاءَتْكُم البَّيناتُ } : الحجج الظاهر الشاهدة على أن ذلك السلم المأمور بالدخول فيه هو الحق إن كان الخطاب الأول للمؤمنين ، فالآيات القرآن والمعجزات ، وإن كان لأهل الكتاب المشركين فهن ما جاءهم أيضًا في التوراة من أمر سيدنا محمد A وشريعته أو هن القرآن والمعجزات أيضًا .
{ فاعْلَموا أنَّ اللّهَ عَزِيزٌ } : غالب لا يعجزه شئ عن الانتقام ممن لم يدخل في السلم ولا ممن دخل في بعضه فقط .
{ حَكِيمٌ } : في صنعه لا يضع الجزاء بالسوء إلا في أهل السوء . والجملة تعليل لجواب محذوف سدت . مسدة أى: عاقب من لم يدخل فيه ومن دخل في بعضه فقط؛ لأنه عزيز حكيم ، سمع أعرابى قارئًا [ يقرأ ] : { إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ } فأنكره ، ولم يقرأ القرآن ، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم ، لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنه إغراء عليه .
{ هل يَنْظرُون } : ينتظرون والاستفهام في معنى النفى ، ولذلك أجيب بإلا ، والضمير لمن لم يدخل في السلم ، ومن دخل في بعضه وهم المتبعون لخطوات الشيطان .
{ إلا أنْ يأتْيهَم اللّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامٍ } : على حذف مضاف ، أى أمر الله ، بدليل قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن تأيتهم الملائكة أو يأتى أمر ربك } أو بأس الله كقوله سبحانه: { فجاءهم بأسنا } ، أو على حذف المتعلق ، أى إلا أن يأتيهم الله بأمره ، كام ورد ما يقرب منه في آية أخرى ، أو ببأسه كما يدل له: { عزيز حكيم } ، فإن لعزة في حكمه تناسب البأس الذى لا يطاق ، وهى صفة قهر ، والعزة بلا حكمة قد تضع حيالها وعدتها ، وهذا في الجملة ، والله منزه عن الحيلة ، وهذه الباء المقدرة للتعدية كهمزة التصيير ، أى إلا أن يصير الله أمره أو بأسه آتيًا ، والمعنى في ذلك كله واحد ، ولا بد من المصير إليه ، لأن الله تعالى منزه عن الحركة والسكون ، لأنهما يستلزمان الحد والتحيز والجهاد والتركب والعجز والحدوث وغير ذلك من صفات الخلق ، هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والمحققين من الشافعية كالقاضى ، وفي سبيل ذلك أن نقدر أن يأتيهم قهر الله او عذابه ، فإن ذلك من أمره ، أو نجعل في بمعنى الباء ، أى أن يأتيهم الله بظلل من الغمام ، أى أن يصير الله ظلل الغمام آتية إياهم .
والحاصل أن مذهبنا ومذهب هؤلاء ، تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به ، وذلك مذهب المتكلمين ، وحكمة حذف المضاف أو ذلك المتعلق: التهويل عليهم ، إذ لو ذكرك أن أسهل عيلهم إلاٍ تراهِم لتكذيبهم يقولون: