{ ومَنْ أظْلم ممَّن افْترى عَلى اللهِ كَذبًا } لا أظلم منهم إذ قال: إن الله بعثنى نبيًا كمسيلمة الكذاب ، والأسود العنسى من صنعاء اليمن ، أو قال: إن الله حرم كذا وأحل كذا ، وهو ليس كذلك كعمرو ابن لحى ، وقد مر أنه أول من غير دين إسماعيل ، ونصب الأوثان ، وبحر البحيرة وسيَّب السائبة ، وشرع الوصيلة والحامى ، ومر أنهُ قال رسول الله A: « رأيته يجر قصبه في النار » يعنى أمعاءه .
{ أو قالَ أوحِىَ إلىَّ ولَم يُوحَ إليْه شَئٌ } نائب أوحى هو قوله: { إلىَّ } ونائب يوح هو لفظ شئ ، ويجوز أن يكون شئ نائب أوحى ، ونائب يوح ضمير مستتر عائد إلى شئ ، لأن شئ في نية التقديم ، وذلك مثل ما روى أن عبدالله بن سعد بن أبى سرح ، كان يكتب لرسول الله A ، فلما نزلت: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } إلى قوله { ثم أنشأناه خلقًا آخر } قال عبدالله تعجبا من تفضيل خلق الإنسان: { فتبارك الله أحسن الخالقين } فقال رسول الله A: « اكتبها كذلك نزلت » فشك عبد الله ، فقال: لئن كان محمد صادقًا لقد أوحى إليه ، وإن كان كاذبًا لقد قلت كما قال ، فارتد ولحق بالمشركين ، ثم أسلم قبل فتح مكة ، والنبى A نازل بمر الظهران ، وكان قبل ذلك حين كان يكتب له A إذا أملى عليه سميعًا بصيرًا كتب عليما حكيما ، وإذا أملى عليه عليما حكيما كتب غفورًا رحيمًا ، والنبى A يقرأ كما نزل ، والصحابة يقرءون كما قرأ رسول الله A .
ومن قال: إن ذلك في مسيلمة والأسود المنسى يقول: الآية مدنية ، لأن الأسود قتله فيروز الديلى قبل موته A بيومين ، ومسيلمة قتله خالد بن الوليد ، أو وحشى ، وتقدم الكلام على ذلك .
{ ومَن قَال سأنْزِل مثْل ما أنزلَ اللهُ } كالذين قالوا قد سمعنا لو شاء لقلنا مثل هذا ، وهم النظر بن الحارث ومن معه ، وقال عكرمة: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحى إلىَّ ولم يوح إليه شئ } فى مسيلمة ، وقوله: { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } فى عبدالله بن أبى سرح ، ومن معطوف على من المجرورة بمن ، ووجه ذلك أنهُ من قال لو شئت لقلت مثل هذا يتضمن أنه إذا شاء قال مثله ، ولا يمكن مثل إلا بوحى ، فكأنه قال: يوحى إلىَّ مثله ، وكذا في ابن أبى سرح ، يعنى أنهما لم يقولا إن القرآن أنزله الله فكيف تفسير الآية بهما ، وفيها مثل ما أنزل الله ، ويجاب بأن المراد سأنزل مثل ما تقول إنه أنزله الله ، ويدخل في الآية من نزلت في شأن { ولو ترى } يا محمد أو بأن تمكن الرؤية منه .