{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى } بأَن لم يؤمن به .
{ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } مصدر بمعنى الضيق ، ولذا وصف به مؤنث وهو مذكر ، وذلك مبالغة ، أو يقدر مضاف ، أو يؤول بالوصف .
وقرئ ضَنْكَى بألف التأنيث وصفا كسكرى .
وهذه المعيشة في الدنيا .
وقيل: في الآخرة .
وقيل: في البرزخ . ويحتمل الجميع .
ووجه الأول أن الكافر ولو وسع ماله لكن همته الدنيا وازداده ليرى الخلَف ، لا خوف له من انتقاصها ، فهو في ضيق من ذلك ، بخلاف المؤمن ، فإنه في سهولة لتوكله مع أن الرزق قد يضيق بشؤم الكفر . وكذا يسلط الله الذل به نحو { ضُرِبتْ عليهم الذلة والمسكنة } الخ { ولو أنهم أقاموا التوراة } الخ { ولو أن أهل الكتاب آمنوا } الخ { استغفروا ربكم } الخ { وأن لو استقاموا } الخ .
وقال الحسن: المعيشة الضنك: الضريع والزقوم والغِسلين في النار .
وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدرى: إنه عذاب القبر ، يضغطه القبر حتى تختلف أضلاعه ، فلا يزال يعذب حتى يبعث .
قال A: « المعيشة الضنك: عذاب الكافر في القبر يسلط عليه تسعة وتسعون تنِّينا ، لكل تِنِّينٍ تسعةُ رءوس تلسعه وتخدشه » .
وروى: إنه إذا وضع المؤمن في قبره وانصرف عنه الناس ، أتاه الملَك من اليمين فتقول له الزكاة: لا تفزِّعْه من قِبَلى ، وجاءه من رأسه فيقول القرآن الذى يقرؤه كذلك ، ثم مِن رجليه ، فتقول الصلاة كذلك ، فيوقظه بلين فيقول: مَن ربُّكَ؟
فيقول: الله لا شريك له .
ومَن نبيك؟
فيقول: محمد A .
وما دينك؟
فيقول: الإسلام .
فيقول الملَك: وعلى ذلك أُحييتَ ، وعليه مُتُّ .
فيقول: نعم .
فيقول: وعلى ذلك تُبعث؟
فيقول: نعم .
فيقول: صدقتَ .
فيُفتح جنب قبره إلى منزله في الجنة ، فيبشر وجهه ويقول له: نم نوم العروس .
وأما الكافر فلا يجادل عنه شئ ، وؤعنِّفه ويقول له: مَن ربك؟
فيقول: أنت .
ومَن نبيك؟
فيقول: أنت .
وما دينك؟
فيقول: أنت! لو كان لك إله عتبده لاهتديت له .
فيُفتح له جنبَ قبره إلى منزله في النار ، ويضرب ضربة يزول بها كل عظم عن موضعه ، يَسمع صياحَه غيرُ الثقلين ، ثم يقذف في مقلاة ، ينفخ له نافخين ، لا يميل إلى هذا إلا ردَّه هذا ، حتى ينفخ في الصور ، فتخمد عنه النار إلى أن يُبعث .
وقيل: المعيشة الضنك: الحرام .
وعن ابن عباس: الشقاء . وعنه: المال الحرام ، وما أنفق في محرم .
وقيل: سلب القناعة حتى لا يشبع .
وعن بعض الصوفية: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقتله .
{ وَنَحْشُرُهُ } وقرئ بسكون الهاء إجراءً للوصل مجْرَى الوقف .
وقرئ بالجزم عطفا على محل { فإن له معيشة ضنكا } فإنه في محل جزم جواب من . وأما جواب إن فمجموع من وشرطها وجوابها .