فهرس الكتاب

الصفحة 2185 من 7680

{ سيقُولُ الَّذينَ أشْركوا } مشركو قريش والعرب { لو شَاءَ اللهُ } أن لا نشرك نحن وآباؤنا ولا نحرم شيئا { ما أشْرَكْنا ولا آباؤنا } شيئا بالله تعالى ، وعطف آباؤنا على الضمير المرفوع المتصل لفصله بلا { ولا حَرَّمْنا } نحن وهم ، فهذا الضمير لهم ولآبائهم { مِنْ شئٍ } أى شيئا كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامى .

ووجه احتجاجهم اغترارهم بC بالإمهال فقالوا: لو كان الله ما شاء إشراكنا وتحريمنا لم يمهلنا ، بل يعجل بإهلاكنا ، فالمشيئة في هذا الوجه في كلامهم بمعنى الإباحة ، ويجوز أن يكون وجه احتجاجهم أنهم جعلوا قضاء الله إجبارًا وسلبوا عن أنفسهم الاختيار ، أى هو الذى قضى علينا بالإشراك والتحريم ، فكيف تخرج عما قضاه علينا؟ فهم في هذا الوجه قدرية إجبار لما أشركنا وحرمنا علمنا أن الله أجبرنا على ذلك ، ولو شاء الله أن يجبرنا على ترك الإشراك والتحريم لفعل فلم نشرك ولم نحرم فلا عقاب علينا ، أو إنَّا على حق لا على باطل ، ولو كنا على باطل لأزالنا عنه ، فهذه الآية رد على المجبرة المشركين وغير المشركين كالمعتزلة .

والجواب: ان الله شاء كفر الكافرين ومعصيتهم بمعنى قضاها وخلقها ، وفعلوا هم باختيارهم ، ولولا ذلك لما أمر ونهى بالوحى والكتب والأنبياء والرسل ، وأثاب وعاقب ومدح وذم ، وكلهم يقرون بذلك في الجملة ، ولو أنكر المشركون القرآن والله تعالى مريد لجميع الكائنات ، وشاء لها ولا عذر لأحد في إرادة الله تعالى ومشيئته ، وإنما قدرت مفعول شرط أو من جنس الجواب ، لأن ذلك هو الغالب فيها ، ولم أحتج إلى تقديره بالرضا مع ذلك لما علمت من أن شاء في كلامهم بمعنى أباح وهو نفس الرضا ، أو من أنهم يثبتون المشيئة بمعنى الإجبار ، والله D عاب عليهم ما زعموا من ذلك ، فتحمل من عيبه إياهم على ذلك أنه لم يبح الإشراك والتحريم ، أو لم يشأهما مشيئة إجبار .

وبعد ما قررت الآية رأيت بعضا قدر لو شاء الله أن لا نشرك ولا نحرم مع رضاه بعدم الإشراك والتحريم ، ولا حاجة لذلك ، لأن ما ذكرته غنى عنه ، ولا ينافى عدم إمكان تفسير المشيئة بالإباحة في قوله تعالى: { ولو شاء لهداكم أجمعين } تفسيرها هنا بالإباحة ، لأن آية الأنعام هذه من كلامهم لا من كلامه تعالى ، ولو قال قائل: لو شاء الله ما فعلت كذا من المعصية والطاعة ، بمعنى لو قضى عليه بذلك لم يخرج عما قضى ، بل ييسر لما قضى عليه باختياره لكان مدحًا لله تعالى ، وحقا واجبًا ، ومما يرد به عليهم أن يقال لهم: إنكم تحجون وتفعلون بعض مكارم الأخلاق ، وتحبون أن يمدحكم الله على ذلك ويثيبكم في الدنيا ، وتتقربون إليه بالأصنام ، وتقولون تقربنا إلى الله زلفى ، فإن كان ما فعلتم ، من ذلك إجبارًا من الله فلا مدح لكم ، ولا يثيبكم في الدنيا ، كما لا يثيبكم في الآخرة ، وأنتم أنكرتموها ، وإن لم يكن إجبارًا منه فكيف تقولون: إن الله أجبركم على الشر ولا يجبر على الخير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت