فهرس الكتاب

الصفحة 3625 من 7680

{ يَا أَبَتِ إنِّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ } بالله .

وقيل: من النبوة { مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى } على دينى { أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } مستقيما ، يوصلك إلى خير دائم ، وينجيك من عذاب مؤلم .

ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال: { يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ } أى لا تطعه .

ويا أبت: دعاء ثالث لأبيه وزجر عما هو فيه؛ فإن عبادة الأصنام مع خلوها عن نفع مستلزمة للضر؛ فإنها عبادة للشيطان ، لحبه إياها وأمره بها . وبيَّن الضرَّ بأن الشيطان مستعص على ربك المولى بالنعم كلها كما قال:

{ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ للِرَّحْمَنِ عَصِيًّا } كثير العصيان ، ومطيع العاصى المحارب عاص محارب ، مع أن الشيطان هو عدوك الذى لا يريد بك إلا كل هلاك وخزى ، وعدو أبيك آدم .

لكن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص ، وارتقاء همته في الربانية ، لم يذكر هذه الجناية ، أعنى الجناية بالمخلوق ، وذكر الجناية برب العزة ، وهى عصيانه ، كأن نزره في عِظم ما ارتُكب في جنب الله غمر فكره ، وانطلق على ذهنه ، مع أن هذه الجنابة شاملة للجناية في جنب المخلوق واصل لها . والشيطان الذى استعطى على ربك هو الذى ورطك في الضلالة ، ليغضب عليك ربك ، وينتقم ، ويزيل عنك النعم . كما قال:

{ يَا أَبَتِ إنِّى } وسكن الياء غير الحرميين وأبى بكر { أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ } يصيبك { عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ للِشَّيْطَانِ وَلِيًّا } قرينًا في اللعن أو العذاب في النار ، تليه أو يليك أو ثابتًا موالاة؛ فإن كونه من أشياع الشيطان أكبر من العذاب ، كما أن رضوان الله أكبر من الثواب .

استهجن إبراهيم عليه السلام على أبيه عبادة الأصنام ، وزجَره عنها ، وخوَّفه سوء العاقبة بألطف وجه ، حيث عبَّر بقوله: يا أبت وكرره . وذلك دليل على شدة الحب ، والرغبة في صرفه عن العقاب ، وحيث لم يصرح بأن العذاب لا حقٌ له ، بل عبَّر بالخوف ، وحيث عبَّر بالمس الذى هو في العذاب بحسب الظاهر كالذوق في الأكل ، وحيث عبَّر بعذاب نكرة كأنه قال بضع العذاب ، وغير ذلك مما مر ، كالتعبير بولاية الشيطان .

والخوف بمعنى العلم قاله الطبرى . أو على ظاهره ، أى إن أصررت على الكفر دخلت النار . وإلا فالجنة . كأنه قال: إنى أخاف أن تموت على كفرك فتدخل النار .

ورجَّحه بعض وقال: إنه في وقت المقالة جاهل للعاقبة لم يكن آيسًا من إيمانه . الرفق واجب على كل أحد في مقام الرفق ، ولا سيما مَن هو نبى ، ولا سيما مع الأب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت