{ فإمَّا } إن الشرطية وما الزائدة بإدغام النون في الميم ، ولذلك ساغ التأكيد في قوله: { تثْقِفنَّهم } تأسرهم وتحصلهم في ثقافك ، وهو ما يشد به الأسير أو غيره ، وقيل: تخطفنهم ، وقيل: تجدنهم وتظفرن بهم { في الحرْبِ فَشرِّدْ } فرق عن محاربتك ونكل عنها وتفرد { بِهِم } بقتلهم والنكاية فيهم { مَنْ } بفتح الميم مفعول شرد { خَلْفهم } بفتح الفاء ، أى الذين وراءهم من الكفرة ، فإنه إذا فعل لهؤلاء الناقضين ما يسوء من القتل وغيره ، ففرق عنه جمع كل ناقضة للعهد ، وكل عدو من ورائهم من أهل مكة واليمن وخافوا ، أو المراد لمن خلفهم من يأتى خلفهم في مثل طريقتهم من مكة أو اليمن أو غيرهما في زمانهم ، أو بعده ، وهذا أولى .
قيل: التشريد التفريق على إزعاج ، وفسر ابن جبير التشريد بالإنذار ، وعن أبى عبيدة سمع بهم ، وذلك أنه إذا قتلهم وانتقم منهم كان ذلك إنذارا أو ابلاغا لمثلهم أن يفعلوا مثل فعلهم ، وإلا فليس في اللغة شرد بمعنى أنذر أو سمع ، والذى فيها شرد به بمعنى سمع الناس بعيوبه ، وفى مصحف ابن مسعود شرذ بذال معجمة ، وبها قرأ الأعمش ، قال أبو الفتح: لم يمر بنا في اللغة شرذ باعجام الذال ، وكأنها بدل من المهملة ، قال المرادى: وذلك شاذ ، وجزم به عن أبى الفتح ، والمعنى الجامع لها أنهما مجهوران متقاربان ، وقال جار الله ذلك على القلب المكانى الأصل شذر ، يقال شذر القوم تفرقوا ، وقرأ أبو حيوة من خلفهم بكسر ميم من والفاء ، وحكاها المهدوى عن الأعمش ، والمعنى واحد ، فإنه إذا شرد الذين وراءهم فقد فعل التشريد في الوراء .
{ لعلَّهُم يذَّكَّرونَ } يتعظون ، والضمير للناقضين المأمور بتشريدهم ، على أن التشريد بالأسر والسلب والإخراج من الأموال والديار ونحو ذلك ، وإن كان بالقتل فالمراد يتعظ باقيهم ومن معهم ، أو الضمير لمن خلفهم .