فهرس الكتاب

الصفحة 2157 من 7680

{ قُل يا قومِ } كفار قريش { اعْملُوا على مَكانتِكُم } اعملا في المكر والمعاصى على قدر قوتكم وتمكنكم ، لا تتركوا منها شيئا ، وهو مصدر مكن يمكن بمعنى قوى على الشئ وهو ثلاثى ، أو اعملوا على جهتكم التى أنتم عليها من العناد والكفر والمعاصى ، لا تتحول عنها على أن المكانة مفعلة من الكون اسم مكان الكون والثبوت ، سميت الحالة التى هم عليها اسم المكان مجازًا ، والمكانة بمعنى التمكن أو الجهة صالحة للكثير والقليل ، والمراد الكثير لأن إضافته للاستغراق ولا سيما المصدر ، ففيه أصلح ، والتاء فيهما ليس للوحدة ، والأمر في ذلك كله للتهديد كحال من يريد إهلاك أحد فيغريه بما يوجب هلاكه ، وفيه تلويح بأنهم لا ينفكون عن أكفر ، ولو طولبوا في الانفكاك ، لأنذروا بوعيده ، وقرأ أبو بكر عن عاصم: مكاناتكم بالجمع في كل القرآن ، ووجه الجمع أو الاستغراق في وجه كون المكانة بمعنى الجهة ، والحالة أن أنواع نفاقهم ومعاصيهم وكفرهم كثيرة .

{ إنِّى عامِلٌ } فى رضا ربى وطاعته ، والصبر على مخالفة من عصاه على مكانتى { فَسوفَ تعْلمُون مَنء تكونُ له عاقبةُ الدَّار } من استفهامية مبتدأ ، والجملة بعده خبره ، والمجموع علق تعلم عن العمل في لفظه واعمل في محله نائبا عن مفعولين ، والمعلق الاستفهام ، ويجوز جعلها موصولة مفعولا ليعلم تعدى لواحد في هذا الوجه لكونه بمعنى يعرفون ، وهذه الجملة إنذار أيضا مع الإنصاف والأدب والمعتادين في محاورة المنصفين ، إذ كان اللفظ بعبارة تصلح لأن يكون لهم عاقبة إدراكها يصلح أن تكون للمؤمنين ، والمراد أنها للمؤمنين خاصة ، وذلك معلوم أيضا من اللفظ وفى الآية تنبيه على أن الذى ينذرهم بها على وثوق بأنه محق ، وأن له عاقبة الدار لا لهم وهى الجنة ، وعاقبة الشئ خاتمته التى تجئ بعده عقبه ، فالعاقبة الجنة ، والدار الدنيا أى الجنة التى تجئ بعد الدار الدنيا ، ويجوز أن تكون العاقبة وهى الجنة التى عقب الدنيا ، وإنما نعلم أنها الجنة لسباق الكلام في التحبب إلى الله مع ذكر عاقبة الدار في القرآن بمعنى الجنة ، كقوله تعالى: { أولئك لهم عقبى الدار* جنات عدن } ويحتمل أن يكون المراد بعاقبة الدار النار تهديدًا فهى للكفار وحدهم لا للمؤمنين ، وجئ أيضا بلفظ الإنصاف والأدب كذلك ، ويناسب هذا قوله:

{ إنَّهُ لا يفلحُ الظَّالمونَ } لا يفوز بالجنة عن النار من ظلم نفسه بالشرك والمعاصى ، فمن كانت هذه صفته لم يفلح ، فيجدون هذه الصفة في أنفسهم لا في المؤمنين ، ولم يقل الكافرون لأن الظلم أقبح من حيث إن فيه تنقيص حظ الإنسان لنفسه بنفسه ، وأما من حيث العموم فإن الكفر والظلم كليهما يطلقان على الشرك ، وما دونهما من الكبائر فليس الظلم أعم ، ومعنى الآية باقٍ ولو مع نزول القتال بعد ، ومن زعم أن المعنى أمره بترك القتال قال نسخها القتال ، وقرأ حمزة والكسائى يكون بالتحتية ، لأن اسمه ظاهر مؤنث مجازًا ، ولأنه مفعول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت