{ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } أى ما يأْتيهم من ربهم ما ينبههم من نوم الغفلة والجهل ، مما أحدث نزوله شيئًا فشيئًا آية بعد أخرى وسورة بعد أخرى إلا استمعوه بمجرَى الآذان مستهزئين به لتوغلهم في الغفلة والإعراض عن النظر والتفكر في العواقب .
وفائدة إحداث الذكر شيئًا فشيئًا أن يتكرر التنبيه فيتعظوا ، وما زادهم ذلك إلا لعبًا ولهوًا وغفلة مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسئ .
والذكر: القرآن .
وقيل: ما قاله النبى A من السنن والمواعظ غير ما في القرآن . وإنما قال: { مِن ربهم } لأنه A لا يقول إلا حقا موافقا للقرآن ، فكأنه من الله بل قال الله تعالى: { وما ينطق عن الهوَى إن هو إلا وحى يوحَى } قيل: لما نزلت: { اقترب للناس } الخ قال بعضهم: زعم صاحبكم أن الساعة قربت فانتهوا قليلا عمَّا يتم ، ثم عادوا . ولما نزل: { أتى أمر الله } الخ . قالوا كذلك ، لو قال غيرَ ذلك البعض ، ثم رجعوا ونزل: { ولئن أخّرنا عنهم العذاب } الخ .
ومِن ربهم متعلق بيأتى ، أو بمحذوف صفة لذكر ، أو حال منه ، لتقدم النفى ولو صفة لمحدث ، أو متعلق بمحدث ، أو بمحذوف حال من ضميره .
وذكر فاعل مجرور بمن الزائدة للتأكيد ، مقدر الرفع كما يدل له قراءة ابن أبى عبلة فهو للتقدير . وجملة وهم يلعبون حال من الواو ، وكذا قوله: { لاَهِيَةً } فهما حالان منترادفان ، أى جامِعين بين اللعب واللهو ، أو لاهية حال من ضمير لمفعول ، فهما حالان متداخلان .
وإذ قلنا: إن اللعب واللهو بمعنى واحد فالحال الثانية مؤكدة للأولى وقد وقت بينهما في غير هذا الموضع .
{ قُلُوبُهُمْ } فاعل لاهية ، وقرئ برفع لاهية ، فالظاهر أنه خبر ، وقلوب مبتدأ ، والجملة حال كذلك .
ويجوز كونه خبرًا لمحذوف ، أى هم لاهية . والجملة حال .
وقلوب فاعل ويجوز كونه خبرًا آخر لقوله: هم ، والأول يلعبون ، وقلوب فاعل فسماعهم من حيث قرنه باللعب واللهو كلا استماع .
{ وأَسَرُّوا النَّجْوَى } أرادوا الكلام الخفى إخفاء ، فانظر ما مر في طه وعن أبى عبيدة: أسروا: أجهروا .
{ الَّذِينَ ظَلَمُوا } بدل من واو أسروا المحذوف نطقا للساكن . وفائدته التشنيع عليهم باسم الظلم في إسرارهم ما أسروا به النجوى ، أو فاعل ، والواو حرف علامة للجماعة وهى لغة أكلونى البراغيث .
روى أن سيبويه قال بالأول ، وأنه قال: ليس في القرآن لغة مَن قال: أكلونى البراغيث ، أو مبتدأ والجملة قبله خبره ، وإنما قدم الخبر الفعلى هنا لعدم الالتباس ، بخلافه في نحو زيد قام . والأصل: وهم أسروا النجوى . وهؤلاء أسروا النجوى: وعبر بالوصول تشنيعا بصلته ، أو مقبول لأَذُم محذوف وجوباء ، أو خبر لمحذوف ، أى هم الذين ، أو مبتدأ خبره قول مقدر ناصب لجملة بعده ، أو فاعل لقول محذوف ناصب لهاء حسابهم ، أو هاء قلوبهم ، أو من الناس قاله ابن هشام .