فهرس الكتاب

الصفحة 2106 من 7680

{ لا تُدْركه الأبْصار } لا تراه في زمان ما رؤية ما بصر ما ، ولا دليل على أن الإدراك موضوع لرؤية الشئ ، ورؤية تقيد العلم من كل وجه لا لمطلق الرؤية ، وأل في الأبصار للحقيقة فانتفى الإدراك أى الرؤية مطلقًا عن حقيقة البصر ، فكل ما يسمى بصرًا لا يراه ، أو للاستغراق حقيقة بمعنى كل ، والنفى مع ذلك كلية لا كل ، أعنى لعموم الصلب ، ولو تأخرت عن النفى ، وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: { ولا تطع كل حلاَّف } { والله لا يحب كل مختال } ونحوه ، والداعى لذلك أن دعوى جواز رؤيته يدل على جواز النقص عليه ، لأن المرئى لون وجسم وحال في مكان ، وله عوض ، لأن لكل جسم عرضًا ، وتركيبًا وجهات ست ، وحاجة وجريان زمان عليه ، وحدوث وعجز بما بعد عنه ، واحتجاب عن من لا يحضره ، فللزوم ذلك يجب تأويل حديث: « إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون البدر » بمعنى أنكم ستحققون وجوده ووعده ووعيده ، وتزيدون يقينًا كما تكشفون البدر ، وهذا كما تعلم أشياء وتجزم بوجودها وبصفاتها ولم ترها ولم تحسها ، وإذا رأيتها فلا بد أن تصفه بالمكان والجهة وتكيفه بأمر ، فبطل ما يقال إنه كما نعلمه بلا مكان ولا حدولا كيف .

كذلك يبصره بلا حد ولا مكان ولا كيف ، لأن الرؤية لابد فيها من تكييف وحد ومكان ، وكذلك يجب تأويل { إلى ربها ناظرة } كما تراه إن شاء الله في محله ، فالرؤية نقص في حقه فنفيه إياها عن نفسه نفى للنقص ، كما نفى عن نفسه سائر النقائض ، ولا يلزم من امتناع الوصف لشئ للذات امتناع أن يذكر نفيه ، فالشركة ممتنعة عن الله بالذات ، وقد نفاها الله جل وعلا ، فكما نفى الشركة مدحًا وتعظيمًا ، كذلك نفى الرؤية مدحًا وتعظيمًا ، فلا يقال إذا كان في نفسه ممتنع الرؤية لم يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم .

وإذا كان الإدراك موضوعًا لمطلق الرؤية فلم خصوه في الآية بالإحاطة ، مع أن الحديث الداعى لذلك ، وهو حديث الرؤية يجب تأويله لأدائه بلا تأويل إلى مستحيل ، وقد علمت الأشعرية بذلك إلى أن تستروا إلى قولهم نرى بلا كيف ، بل قال الله جل وعلا: { لا تدركه الأبصار } ليدل على أن رؤيته مستحيلة بعيدة فائتة كالشئ الذى فات ، بحيث لو أريد التحاق به ، واجتهد في ذلك لم يدرك ولا دليل على اختصاص نفى رؤيته بالدنيا إلا ذلك الحديث ، وتلك الآية ، وقد علمت وجوب تأويلهما ، ولا يضرنا أن يدرك في قوله:

{ وهُو يُدْرك الأبْصار } بمعنى يعلم الإبصار من حيث إنه تعالى منزه عن الجوارح ، لأنا نقول: استحالة الجارجة عنه تعالى دليل على أن هذا الإدراك المثبت له بمعنى العلم اللازم لبصر العين في الجملة ، لا بمعنى الإدراك المنفى عنه تعالى ، وهو رؤيته ، ولا يصح جعل الإدراكين معًا بمعنى العلم ، لأن البصر لا يعلم شيئا فضلا عن أن يقال لا تعلمه الأبصار ، كما لا يقال: الخائط لا يعلمك إلا لداع إلى قوله ، وإنما العالم القلب ، والقلب يعلم الله إلى شبه معنى لا تدركه الأبصار لا تراه ، وهب أنه بمعنى لا يعلمه أحد ، فمعناه لا يعلمه العلماء علم إحاطة ولا بأس بذلك ، فيبقى نفى الرؤية مأخوذًا من نفى صفات النقص المذكورة آنفًا عنه تعالى ، كما قال السدى: البصر بصر المعاينة ، وبصر علم ، وذكر الأبصار في قوله: { وهو يدرك الأبصار } لتأكيد نفى رؤيته تعالى ، من حيث إن الأبصار الباصرة يدركها ، ولا تدركه ، ولذلك لم يقل وهو يدرك الأبدان أو الأجسام أو الأشياء أو نحو ذلك ، وزاد تأكيد نفيها بقوله:

{ وهُو اللَّطيفُ الخَبيرُ } فإن اللطف الدقة والخفاء ، أى هو بعد من أن يراه بصر ما في زمان ما رؤية ما ، وهو العليم علما دقيقا بكل بصر وغيره ، فإن الخبرة العلم بدقيق الأمور ، فهو يدرك ما لا يدركه الأبصار ويعلم ما لا يعلمه غيره ، فهو لا ييرى كما لا يرى الشئ الذى ليس من الكثافة في شئ ، كما لا ترى الريح لا تراه ، تعالى الله علوًا كبيرًا عن كل نقص ، وعن أن يشبه الريح أو غيرها ، وعن أن يوصف بالكثافة أو اللطافة الحقيقية ، فقوله: « اللطيف » عائد إلى قوله: { ولا تدركه الأبصار } لأن من شأن الشئ الدقيق الخفى من الأجسام أن لا تدركه الأبصار ، تعالى الله عن الدقة والجسمية ، وقوله: « الخبير » عائد إلى قوله: { وهو يدرك الأبصار } كيف لا يدركها من هو عالم بدقائق الأمور ، وقيل: معنى اللطيف بغوامض الأمور ، ودقائق المعانى والحقائق ، فهو أبلغ من الخبير ، والأبصار جرم الناظر من العين أو العين كلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت