ويجوز أن يراد بالأبصار النور الذى ترى به العين وهو لا يراه أحد ، ولا يحققه ، والله محيط علما به من كل وجه ، وإنما فسرت اللطيف بذلك ليناسب نفى الرؤية عنه ، وإثبات أنه يدرك غيره ، بخلاف ما إذا فسر بالمنعم على عباده المزيل عنهم الضر من حيث لا يعلمون أن تلك الجهة يأتى منها النعم ، أو تزول بها المضار ، بل قد يتوهمون العكس ، أو بموصل الخير إليك برفق أو بالمنسى عبادة ذنوبهم فلا يخجلوا ، أو بالذى لم يكلفهم ما لا يطيقون ، أو بالمثنى على عباده عند الطاعة ، الذى لا يقطع إحسانه عند المعصية أقوال ، فإن ذك لا يناسب بظاهره نفى الرؤية عن الله D .
ثم إن قوله تعالى: { تدركه الأبصار } موجبة كلية يحتمل أنه جاء النفى ، ثم جاء عليه العموم ، فتكون سالبة كلية ، أى لا شئ من الأبصار يراه ، ويحتمل أنه اعتبر العموم أولا ، ثم جاء النفى عليه ، فتكون سالبة جزئية ، أى لا يراه بعض الأبصار وهو أبصار الكفار ، ويجب الاحتمال الأول بما يلزم من النقص في رؤيته ، وإن جعلنا أل للحقيقة قلنا: الحقيقة من حيث هى تعد فردًا فكفانا نفا رؤية هذا الفرد الذى هو الحقيقة لله تعالى ، فما صدق عليه أنه بصر صدق أنه لا يراه ، والمصارف إلى هذا ما يلزم من الرؤية فلم ندخل في قولك هذه القضية حينئذ سالبة مهملة في قوة الجزئية ، إذ لا سور لها كلى ولا جزئى ، وما كان نقصا بالذات لم يتغير بالزمان ولا بغيره ، فرؤية نقص الدنيا والأخرى سواه يراه المؤمن فقط كما زعموا أو الكافر أيضا ، ولا قائل به .