{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } : منهم أنفسهم بالمعصية فيما أمروا ولبسوا كلهم ظالمين .
{ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ } : فنطقوا بألفاظ تقارب ألفاظ ما أمروا به معنى ولفظًا ، أو معنى فقط استهزاء إذ كان المعنى مخالفًا ، وفعلوا فعلا يشبه ما أمروا به وليس به استهزاء ، روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة عن رسول الله A: قيل لبنى إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة ، فدخلوا يزحفون على استاههم ، يعنى مقاعدهم ، وقالوا: حبة في شعيرة يعنى حبة بر مع حبة شعير ، كمن يطلب البر والشعير ، وإنما قالوا ذلك استهزاء ، وفى رواية لهما حبة في شعرة في شعرة يعنون في شعيرة أو يعنون حبة بر مربوطة في الشعرة التي تنبت على الحيوان ، وروى الحاكم حنطة في شعيرة ، قال الكلبى: لما فصلت بنو إسرائيل من أرض التيه ودخلوا وكانوا بجبال أريحاء من الأردن قيل لهم ادخلوا القرية فكانوا منها حيث شئتم رغدا ، فكانت بنو إسرائيل قد خطئوا خطيئة فأحب الله أن يستنقذهم منها إن تابوا ، فقيل لهم: إذا انتهيتم إلى باب القرية فاسجدوا وقولوا حطة تحط عنكم خطاياكم ، وسنزيد المحسنين الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانًا إلى إحسانهم ، فأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به ، وأما الذين ظلموا فبدلوا قولا غير الذى قيل لهم فقالوا: ( حطا سمقاتا بالسريانية ) أى حنطة حمراء استهزاء وتبديلا ، من كان محسًا زيد في إحسانه ومن كان خاطئًا غفرت له خطيئته ، وقيل: لم يقولوا ذلك استهزاء بل رغبوا في طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا ، وذكر بعضهم ازدحموا على أوراكهم خلافًا لأمر الله سبحانه ، وعن الحسن: رفع لهم باب فأمروا أن يسجدوا لله ويضعوا جباههم ويقولوا حطة ، فدخلوا وقد حرفوا وجوههم ولم يسجدوا على الجبهة ، وقيل: طوطى لهم الباب ليخفضوا رءوسهم فلم يخفضوها ودخلوا متزحفين على أوراكهم ، وقيل: قالوا بالنبطية ( حطا سمقاتا ) أى حنطة حمراء ، وروى في الحديث أنهم قالوا حبة شعيرة ، ويروى عن ابن مسعود أنهم أمروا جود وأن يقولوا حطة فدخلوا يزحفون على استاههم ويقولون حنطة حبة حمراء في شعيرة ، وروى أنهم دخلوا من قبل أدبارهم القهقراء ، وقيل قالوا حنطة حمراء في شفرة ، وقيل شعيرة . وحكى الطبرى أنهم قالوا: ( هطى سمقاتا ازبه ) أى حنطة حمراء . وعن مجاهد: طوطى لهم الباب ليسجدوا فلم يسجدوا ، ودخلوا على أدبارهم وقالوا حنطة ، وقيل قالوا: ( هطانا سمقاتا ) أى حنطة حمراء ، وقيل أيضًا عن مجاهد: رفع لهم جبل ليسجدوا عند دخول الباب لما أبوا فسجدوا بشق وجوهوههم ناظرين إليه بالعين الأخرى ، فترى صلاة اليهود إلى اليوم كذلك .
{ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } : بترك السجود عند الدخول ، وترك قول الحطة وهم هؤلاء الذين بدلوا قولا غير الذى قيل لهم ، ومقتضى الظاهر أن ( فأنزلنا عليهم ) ولكن وضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم مرة ثانية وصف الظلم مبالغة في تقبيح شأنهم ، وليشعر بأن إنزال الرجز عليهم إنما هو لظلمهم إشعارًا زيد على الإشعار الذى أشعرته الفاء السببية ، وذلك لأن تعليق الحكم بالموصول يؤذن بعليته ، وقد صرح بأن ذلك الظلم هو السبب بقوله: { بما كانوا يفسقون } فإن هذا الفسق هو ذلك الظلم أو وضع الظاهر موضع المضمر ليكون أدل على أجسامهم التى عرضوها للهلاك بترك ما أمروا به أو لذلك كله ، وعبر في الأعراف بالضمير إذ قال: