{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمْنَا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر } : ذكر الله سبحانه وتعالى أولا من آمن بظاهره وباطنه ، وذكر ثانيًا من كفر بظاهره وباطنه ، وذكر ثالثًا في هذه الآية من آمن بظاهره وكفر بباطنه ، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله تعالى ، لأنهم كفروا بما كفر به من كفر بظاهره وباطنه من إنكار القرآن والرسالة ، وإثبات الشريك والصاحبة والولد ، وزادوا بسيمة الكذب والاستهزاء والخداع ، وإفشاء سر المؤمنين ، وعظم ضررهم في الدين ، لأنهم عدو مخالط متلبس بالصديق لا متميز معروف يحذر منه ، ولذلك أطال وصفهم وذمهم ، وضرب لهم الأمثال ، وقال: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } ، ذكروا أن الحجاج الظالم قال لجابر بن زيد C: يا أبا الشعثاء أخبرنى فيمن نزلت الآية الأولى من البقرة؟ قال: في المؤمنين . قال: والثانية قال: في المشركين . قال: والثالثة؟ قال: فيك وفى أصحابك ، يعنى المنافقين ، وأشار C إلى أن فساق الموحدين يسمون منافقين كما يسمى هؤلاء المشركون الذين آمنوا بألسنتهم فقط منافقين ، وأنهم مثلهم في المعنى ودخول النار . ومن للتبعيض ، وأل في الناس للعهد الذكرى ، وهم الذين كفورا المذكورون في قوله D: { إن الذين كفروا } أى ومن الذين كفروا من لا يكفر إلا بباطنه ، وأما لسانه فيقول به آمنا بالله واليوم الآخر ، ويجوز أن تكون أل للحقيقة ، وأصل باس أناس ، حذفت الهمزة وهى فاء الكلمة ، فوزن ناس عال ، ووزن أناس فعال بضم أوله ، ولما حذفت عوض عنها أل ولا مانع من كونها للتعويض والتعريف جميعًا ، وقد تحذف أل بعد ما عوضت عن الهمزة ، أو يقال تعويضها غالب لا لازم ، ويدل على تعويضها أنه لا يقال الإناس بالجمع بين أل والهمزة إلا شاذ كقوله:
إن المنايا يطلعن ... على الإناس الآمنيناp فتذرهم شتى وقد
كانوا جميعًا وافرينا ... وهما بيتان من مجزءو الوافر ، واناس اسم جمع كرخال بضم الراء وكسرها والواحد إنسان وإنسانة ، والرخيل الأنثى من ولد الضأن ، وقيل هو جمع إنسان أو إنسانة ، وكل ذلك من الأنس ضد الوحشة ، لأن الناس يأنسون بشرًا لظهروهم ضد تسمية الجن جنًا لاجتنانهم ، أى استتارهم أو سموا بشرًا لظهور بشرتهم ، أى جلدتهم ، بخلاف سائر الحيوان فإن جلدتهم مغطاة بصوف أو شعر أو وبر أو ريش ، وقيل الناس بوزن فلع بفتح الفاء واللام وتأخير العين مأخوذ من النسيان ، لأنهم عهد إليهم فنسوا ولأنهم خلقوا على أن ينسوا ، وعلى هذا فلا حذف ، وأصله نسى بفتح النون والسين المنونة كفتى قدمت الألف على السين ، وأصل تلك الألف ياء متحركة في الأصل ، وبعد التقديم قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ولكن حركتها في الأصل بحسب الإعراب ، وبعد التقديم فتحه ، وقيل الناس بوزن فعل بفتح الفاء والعين وتأخير اللام ، وأصله نوس بفتح النون والواو ، وتحركت الواو انتفح ما قبلها فقلت ألفًا وهو من ناس ينوس إذا تحرك ، ومن نكرة موصوفة إذ لا عهد تكون به اسمًا موصولا كأنه قيل ، ومن الناس ناس قائلون آمنا بالله وباليوم الآخر ، لأنا لو جعلنا أل في الناس للعهد في قوله D: