{ ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجبكَ قَوْلهُ في الحَيَاةِ الدُّنْيا } : لفصحاته وحلاوته ، ولا يعجبك في الآخرة لما يعتريه من الدهشة وانحباس لسانه لرؤيته العقاب على عمله ، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام ، أو لمخالفة قوله لاعتقاده ، ومعنى يعجبك يحسن في قلبك ويعظم فيه ، ومن الشئ العجيب يعظم في قلبك ، ومنه التعجب ، لأنهُ حيرة تعرض للإنسان من عظم الشئ لجهله بالسبب ، وإن شئت قلت: حالة تعرض للأإنسان من عظم الشئ لجهله بالسبب ، وإن شئت فقل: التعجب استحسان الشئ والميل إليه والتعظيم له .
نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفى حليف بنى زهرة ، وإنما سمى الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بنى زهرة ، عن قتال رسول الله A ، وذلك أنه أشار على بنى زهرة بالرجوع يوم بدر ، وقال لهم: إن محمدًا إبن أختكم فإن يك كاذبًا كفا كموه الناس ، وإن يك صادقًا كنتم أسعد الناب به ، قالوا نعم ما رأيت قال: { فانى سأخنس بكم فاتبعونى ، فخنس فسمى الأخنس بذلك } ، وكان حلو الكلام حلو المنظر ، وكان يأتى رسول الله A ويحالسه ويظهر الإسلام ويقول: إنى أحبك ويحلف على ذلك ، وكان رسول الله A يدنى مجلسه وكان الأخنس منافقًا ، قال السدى: نزلت في الأخنس بن شريق ، أظهر الإسلام ، ثم هرب ، فمر بقوم من المسلمين فأحرق لهم زرعًا وقتل حمرًا ، وكذا قال الطبرى والدوادى أنها نزلت في الأخنس بن شريق ، وقال عياض: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم ، قلت: يحتمل أنه أراد ما ثبت عنده ، ولا ينافى ثبوته عند غيره ، ويحتمل أنه أراد ما ثبت أنه أسلم إسلامًا بلا نفاق ، فلا ينافى أنه أسلم ونافق ، فإن بعضًا يسلم ويخلص ، وبعضًا يسلم وينافق ، وبعضًا يسلم بلا نفاق ، ثم يرتد ، وقال قتادة وجماعة: نزلت الآية في كل مبطن كفرًا ونفاقًا أو كذبًا أو ضرارًا ، ويظهر بلسانه خلاف ذلك ، وكأن ألسنتهم حلوة وقلوبهم مرة كالصبر ، وفى الحياة متعلق ، بيعجب ، كما تعلم من تفسيرى أول الآية ، ويجوز تعليقه بالقول ، فمعنى قوله: { في الحياة الدنيا } يكلمه فيها أى كلامه الذى يتكلم به في حياته ، أو تكلمه في أمور الدنيا ، وأسباب المعاش ، أو نكلمه في ذم الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها ، كما هو شأن مدعى الإيمان والمحبة ، وكان - لَعَنُه الله - يُلين القول لرسول الله A ويدعى أنه مسلم .
{ يُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ } : يقول الله شهيد أنى مؤمن في قلبى كما في لسانى ، ويحلف على ذلك بالله تعالى ، ويجوز أن يكون المعنى يشهد الله في نفسه في مخالفة قلبه للسانه ، سمى بقاءه على النفاق إشهاد الله للتلازم ، لأنه يلزم من بقائه على النفاق شهادة الله عليه به ، ويحتمل أن يكون المعنى يقول لله أشهد على للعبادة بما في قلبى من النفاق ، وأخبرهم به فيبعث الله منه عملا يعرفه الناس به سمى بقاءه على والنفاق وإصراره عليه طلبًا لشهادة الله عليه وإخباره العباد بما في قلبه ، للتسويف التلازم الجملى وقرأ: ويشهد الله بفتح الياء والهاء ، ورفع اسم الجلالة وقرأ ابن مسعود: ويستشهد الله بنصب اسم الجلالة .