{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } : الذين عبدوا العجل .
{ يَا قَوْمِ إِنَّكُم ظَلَمْتُم أَنْفُسَكُم باتِّخَاذِكُم العِجْلَ } : إلهًا .
{ فَتُوبُوا إِلى بَارِئِكُم } : الفاء للسببية فإنهم أمروا بالتوبة بسبب ظلمهم أنفسهم ، وجاز كونها عاطفة أنكم ظلمتم أنفسكم ، ولو كان أحدهما أمرًا والآخر إخبارًا في الأصل ، لأن ذلك محكى لأن الجملة تصير بالحكاية مفردًا ، والمعنى . ارجعوا رجوعًا صحيحًا وثيقًا بقلوبكم وجوارحكم عن عبادته إلى الله الذى برأكم ، أى خلقكم براء من التفاوت ، وميز بعضكم من بعض بصور وهيئات وأصوات مختلفات ، وأصل مادة برئ الخروج من الشئ كبرئ المريض أى خرج من مرضه ، وبرئ المديون أى خرج من دينه ، والتخريج كبرأ الله آدم من الطين ، أى أنشأه منه ، وإنما لم يقل إلى خالقكم أو إلى منشئكم لما يصرح به لفظ بارئكم من التبرئة من التفاوت ، وتمييز بعض من بعض الدالين على غاية اللطف والصنعة والحكمة ، كأنه قيل تتركون عبادة الصانع الحكيم الذى خلقكم عقلاء مميزون ، وتعبدون البقرى التى هى مَثَلٌ في الغباوة ، تقول العرب فلان أبلد من الثور ، وقرئ باريكم بالياء ساكنة مشبعة بها الراء ، وهى قراءة حكيت عن السبع ، وقرأ أبو عمرو بالهمزة مختلسًا بحركتها ، كأنه يميل إلى الياء ، رواه البغداديون عنه وهو اختيار سيبويه ، وروى عنه البرقيون إسكان الهمزة وهو قراءة أبى عمرو الدانى على الفارسى عن أبى طاهر ، وقرأ نافع وباقى السبعة بهمزة مكسورة كسرًا صحيحًا خالصًا ، وكذا في بارئكم في الآية بعد ويأمركم ويأمرهم وينصركم ويشعركم في تمكين حركة الراء في الأربعة واختلاسها وإسكانها ، واعلم أن من لم يعرف حق المنعم حقيقًا بأن تسترد منه نعمته ، فلما لم يعرفوا نعمة الله تعالى في خلقهم عقلاء براءٌ من التفاوت متميزين ، استرد الله منهم نعمته التى هى خلقه إياهم وتركيبه إياهم بإيجاب القتل الذى هو هدم البنية المركبة ، إذ عبدوا ما لا يقدر على تركيب ولا حل ، وبلغوا غاية الجهالة والغباوة بذلك ، كما قال الله جل وعلا { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُم } : هذه الفاء للتعقيب المجرد عن التسبب والعطف على توبوا . والقتل تمام التوبة أو على محذوف ، أى اعزموا على التوبة فاقتلوا ، وأجيز كونها للتعبير ، والمعنى اقتلوا بعضكم بعضًا من عبد العجل ، ومن لم يعبده ولم يعتزل عمن عبده ، وقيل ليقتل من لم يعبده واعتزل من عبده ، ومن لم يعبده القتل على القولين الأولين ، لأنهم لم يغيروا المنكر ، وقيل أمر كل واحد أن يقتل نفسه قتلًا خالصًا بنحو خنجر لا قتلا بالهم ، لأن الهم ضرورى لا حسى ، فليس كما قيل إنهم أمروا أن يقتلوا أنفسهم بالهم ، وقيل المراد بالقتل قطع الشهوات كما تقول العامة: مت تحى ، وكما قيل من لم يعذب نفسه لم ينعمها ، ومن لم يقتلها لم يحيها ، والمشهور أنه القتل الحقيقى .