{ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ } : هذه الجملة مستأنفة استئنافًا نحويا بيانيا هو نحوى بلا عكس فإن البيانى تكوين الجملة جواب لسؤال يقتضيه المقام كأنه قيل: ما السبب في اختصاص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، وينفقون مما رزقهم الله ، والذين يؤمنون بما أنزل إلى سيدنا محمد ومن قبله - A - ويوقنون بالآخرة ، يكون القرآن هدى لهم؟ فأجاب: بأن السبب في اختصاصهم يكون القرآن هدى لهم التوفيق من الله واللطف عليهم بالهدى ، ولا يقال هذا نفس قوله هدى للمتقين فيلزم تحصيل الحاصل لأنا نقول معنى قوله: هدى للمتقين زيادة هدى لهم ، أو صالح لأن يهتدوا به . ثم قال أولئك الموصفون بتلك الصفات غير بعيد أن يختصموا بكون القرآن زيادة هدى لهم ، أو بكونه هدى موصلا لهم إلى تلك الصفات . وإن شئت فقل: إن جملة: أولئك على هدى من ربهم ، ليست بيانًا للعلة ، بل إخبار بأن الهدى الحاصل لهم من القرآن إنما جاءهم من فضل الله . وهذا على أن معنى هدى للمتقين: أنه هداهم بالفعل ، واهتدوا بالصلاحية والإمكان فقط . نقول أحسن زيد إلى شيخه ، شيخه حقيق بالإحسان سواء أردت بيان العلة كأنك قلت: لأن شيخه حقيق بالإحسان من شيخه ، أو أردت مجرد الإخبار بأنه حقيق به ولكن تعليق الحكم بمشتق يؤذن تعليته . والشيخ في معنى المشتق ، والآية من هذا القبيل ، فإن أولئك غير مشتق ، لكنه إشارة إلى المتصفين بتلك الصفات . فهو في معنى المشتق فكأنه قيل: اتصافهم بالاتقاء والإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وما بعد ذلك سبب لزيادة الهدى الحاصلة لهم من توفيق الله وتفضله عليهم ، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة لمجرد الإخبار بأنهم أحقاء بالهدى ، بأن تكون الإشارة إلى أنفسهم لا تفيد اعتبار صفة ، فضلا عن ان تكون مؤذنة بالعلية ، كقولك: أكرم زيدًا زيد أهل للإكرام ، فإن قولك زيد أهل لإكرام غير متضمن لما هو علة لإكرامه ، ولو جعلت العلة تعليلا . وإذا ذكرت الجملة الثانية بصفة ما بنى له الكلام الأول ، كانت كمصرحة بالعلة نحو أكرم زيدًا صديقك القديم أهل للإكرام ، كأنه قيل: أكرم زيدا أنه صديقك الكريم ، والصديق الكريم أولى بالإكرام وأهل له . وهذا النوع أحسن وأبلغ لانطوائه على بيان الموجب وهو العلة ، وكيفية حمل الآية عليه أن تجعل الإشارة إلى المتصفين بتلك الصفات من حيث إنهم متصفون بها . كأنه قيل: المؤمنون بالغيب . . إلخ ، أهل لزيادة الهدى الكائن لهم من ربهم ، أو أهل لأن يهتدوا بالقرآن ويتأثروا به ، أى من علم الله أنهم سيتقون ويؤمنون بالغيب . . إلخ أهل لأن يهتدوا به ويتأثروا به . ويجوز أن تكون الذين الأول مبتدأ والثانى معطوفًا عليه .