{ وإذا قِيلَ اتَّبعُوا ما أنْزلَ اللهُ } : أى وإذا قيل للناس المذكورين في قوله جل وعلا: { يأيُّها النّاس كلُوا } ، وفيه التفات من الخطابات السابقة إلى الغيبة ومقتضى الظاهرن وإذا { قيلَ لكُم اتَّبعوا ما أنْزلَ اللهُ } قلتم بل نتبع لكن ذكرهم بلفظ الغيبة ليكون الكلام موجها في تقبيحهم إلى غيرهم ، بحيث لا يكون لهم مدخل في الخطاب به أعلى بضلالهم ، كأنه قيلك للعقلاء أنظروا إلى هؤلاء الحمقاءِ ، ماذا يقولون إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ولأنهم ليسوا أهلا للخطاب ، حيث اتبعوا الشياطين بعد ما نهاهم الله D عنهم ، لشدة جهلهم ، وكمال غباوتهم ، ويجوز أن يكون الكلام متصلا بقوله: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا } ، فالالتفات والمراد على الوجيهن المشركون من العرب ، أى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله في القرآن من الحجج والآيات والأحكام الشرعية ، وترك اتخاذ الأنداد ، وترك تحريم ما أحل الله ، وتحليل ما حرم ، واتباع خطوات الشيطان .
{ قالُوا نتَّبعُ ما ألفَيْنا } : ما وجدنا .
{ عليه آباءنا } : من اتخاذ الأصنام وتحريم السوائب ، والبحاير ونحو ذلك ميلا إلى التقليد ، ولمن يدعى الإسلام طرف من هذا نحاججه بالأدلة والبراهين القرآنية والسنية ، فلا يتبعها وبآثار العلماء فيأبى إلا ما وجد عليهِ بعضًا من الناس مما خالف القرآن والسنة والأثر . وعن ابن عباس: دعا رسول الله صلى الله عليهِ وسلم اليهود إلى الإسلام ، فقال طائفة منهم كرافع ابن خارجة ومالك بن عوف وغيرهما: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، فهم كانوا خيرا منا وأعلم ، فنزلت الآية . ومثل هذه المقالة اليهودية يقول بعض من يدعى الإسلام وعلى ما قال ابن عباس: يكون الضمير عائدًا إلى غير مذكور ، أو إلى من في قوله: { من يتخذ } على أن الأنداد الرؤساء فإن اليهود ، قبحهم الله ، يقندون رؤساءهم ، وعلى ما قال ابن عباس ، يكون قوله: { ما أنزل الله } ، شاملا للتوراة كالقرآن ، لأنها تأمر بما يأمر الحق ، ويجب اتباعها في كل ما لم ينسخ بالقرآن ، ويجوز عود الضمير للناس مرادا به اليهود على طريق الاستخدام إن عاد إلى الناس في قوله: { يأيها الناس } وعلى ما يشبه الاستخدام إن عاد إلى الناس في قوله: { ومن الناس } .
{ أوَلَوْ كانَ آباؤهُم } : الهمزة للاستفهام الاستنكارى ، أنكر أن يكونوا على صواب في تقليد الآباء ، أو للتعجيب ، يعنى إيقاع السامع في عجب ، ومدخولهما محذوف ، أى أيقولون ذلك أو يتبعون آباءهم ، والواو للحال ، وصاحب الحال واو يقولون ، أو واو يقلدون ، أو آباء المقدر ، أو للعطف على حال محذوفة ، أى يقولون ذلك أو يتبعون آباءهم لو كان آباؤهم يعقلون ويهتدون ، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون ، على معنى أيقولون ذلك ، أو أيتبعونهم سواء علموا أو جهلوا ، واهتدوا أو لم يهتدوا ، وجواب لو محذوف دل عليه ماء يقدر من قولك أو يتبعون ، ويجوز أن تكون الهمزة مما بعد الواو ، والواو للاستئناف ، أو لعطف هذا الكلام من الله على جملة نتبع ما ألفينا عليه آباءنا من كلامهم ، أو للحال من كلام الله وصاحب الحال من كلامهم ، وهو ( ن ) من ألفينا ، والمعنى أو لو كان آباؤهم الذين يتبعونهم .