{ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ } : الكتاب هو ألفاظ التوراة ، والفرقان هو التفريق بها بين الحق والباطل ، كقولك خلق الله اللغة ومعانيها ، وأعجبنى زيد وحسنه . والحاصل أنه ذكر الشىء وما يتحصل به ، وليس ذلك من عطف النعت النحوى على منعوته ، ولا من زيادة الواو في النعت ، كما قال من قال: إن الفرقان نعت للمبالغة أو للتأويل بالمفرق ، أو لتقدير مضاف أى ذا فرقان ، ولا عطف تفسير كما قيل ، لأن لفظ الكتاب ليس موضوعًا لمعنى الفرقان فضلا عن أن يفسر به ، وقد يقال: على اعتبار معنى وصف الكتاب: إنهُ من عطف صفة على أخرى وهو جائز ، كقولك جاء زيد الفقيه والعالم ، تريد جاء زيد الجامع بين الفقه وسائر العلوم ، كأنه قيل: وإذ آتينا موسى التوراة التى هى من كلام جامع للحدود ، والأحكام مفرقة بين الحق والباطل ، فكأنه قيل التوراة المشتملة على الجمع والتفريق ، تقول جاءك الفرح والمستبشر ، أى زيد الجامع بين الصفتين الفرح والاستبشار ، أو الفرقان معجزاته الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى ، فإن عصاه ويده مثلا مبطلتان لدعوى فرعون ، محققتان لدعوى موسى الرسالة ، أو بين الإيمان والكفر ، ويجوز أن يكون الفرقان بمعنى الشرع الفارق بين الحلال والحرام ، وهو ما تضمنتهُ ألفاظ التوراة من المعانى ، ولا شك أن المعنى غير اللفظ فصح العطف ، وهذا الوجه من وادى الوجه الأول ، ويجوز أن يكون الفرقان بمعنى النصر الذى فرق بينه وبين عدوه كما قيل في قوله تعالى: { يوم الفرقان } إنهُ بمعنى يوم النصر وهو يوم بدر ، وقيل الفرقان فرق البحر .
{ لَعلّكُم تَهْتَدُونَ } أى لتهتدوا بتدبر الكتاب الذى هو التوراة والتفكر في المعجزات ، وتتركوا الضلال ، فلعل للتعليل ، ويجوز بقاؤها للترجى باعتبار المخلوق كما مر .