{ فلمَّا استيئسُوا } يئسوا ، والسين والتاء للمبالغة أو الموافقة المجرد ، وقرأ البزىّ في رواية أبى عمرو الدانى ، عن ابن خواستى الفارسى ، عن النقاش ، عن أبى ربيعة عنه: فلما استأيسوا ولا تائسوا من روح الله ، وحتى إذا استائس الرسل ، وأفلم يائس الذى آمنوا بالألف وفتح الباء منغير همز ، والباقون بالهمز وإسكان الياء من غير ألف في اللفظ ، وإذا وقف حمزة أو ألقى حركة الهمزة على الياء على أصله { مِنْه } من يوسف أن يرد معهم بنيامين ، أو من بنيامين أن يُردَّ معهم ، وقال أبو عبيدة: استيئسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم .
{ خلصُوا } اعتزلوا عن يوسف { نجيًّا } أى مشاورة في خفض صوت ، وهو مصدر مفعول لأجله ، أى اعتزلوا للتناجى في أمر أخيهم ، أو مفعول مطلق لحال محذوف أى خلصوا ينجون نجيا ، أو ناجين نجيا وهو من النجوى لا من النجاة ، أو هو وصف فيكون أيضا حالا ، وصح إفراده لأنه بوزن فعيل بمعنى فاعل ، أو للتويل بنوجا نجيًّا أو مصدر جاء حالا مبالغة كأنه نفس النجوى لشدة اهتمامهم ، او يقدر مضاف أى ذوى نجوى ، والحال على كل حال مقدرة لا مقارنة ولا محكية .
وقالوا في نجواهم: نقاتل أهل البلد ، كان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا ، فغضب روبيل وقال بعد النجوى: أيها الملك ، والله إن لم تتركنا لأصيحن صيحة لا تُبقى بمصر امرأة حاملا إلا وضعت ما في بطنها ، وقامت كل شعرة في جلده ، وخرجت من ثيابه وكان بنو يعقوب إذا غضبوا ومسهم واحد منهم ذهب غيظه ، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل ومسه ، فمر الغلام إلى جنبه فمسه فسكن غضبه ، قال من هذا؟ إن هذا البلد فيه برز من برز يعقوب ، فقال يوسف: مَنْ يعقوب؟ فغضب روبيل وقال: يا أيها الملك لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله ، ابن إسحاق ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله ، فقال له: أنت إذن صادق .
وفى رواية: قال لهم يهودا: أنا أجلس على باب السجن فلا أخليه يسجنه ، وأنتم اذهبوا كل واحد إلى سوق من أسواق مصر بأسلحتكم ، فإذا صحت من هنا انشقت مرارتهم ، وإذا سمعتم صوتى فاضربوا يمنا وشمالا ، واقتلوا من جاء إليكم ، وأنا أقتل من يقصدنى ، فأمر يوسف ابنه الصغير واسمه نايل وقال له: يا بنى امض نحو عمك ذلك الرجل فامسح يدك على ظهره ، ففعل فسكن ما به ، وذهبت قوته ، وأخذ ذلك الصبى فوضعه في حجره ، وقبل خده ، فقال: أشم منك رائحة يعقوب ، من أنت؟ فلم يخبره .
ولما ارتفع النهار ، ولم يسمع إخوته رجعوا إليه وقالوا: ما الذى أصابك يا يهودا ، لم نسمع لك صوتا ، فقال: اسكتوا إن هنا إنسانا من آل يعقوب .