{ ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } : يخلطون الحق بالباطل ، يعلمون في قلوبهم أن محمدًا A ، وينكرونه بألسنتهم ويلقون الشبهات في ذلك ، وهى الباطل يروج عنهم إنكا هو فتارة يقولون: إن رسول الذى بشر به موسى حق ، ولكنه ليس محمدًا ، بل صفته كذا وكذا مما هو على ضد صفته ، A ، وتارة يقولون: محمد معترف برسالة موسى وبأن التوراة حق ، والتوراة دالة أن شرع موسى ينسخ ، ويمحون من التوارة ما كرهوا ، ويريدون فيها ما أحبوا ، ويكتبون أشياء من عند أنفسهم ، ويزعمون أنها من الله ، ويجوز أن يكون معنى لبس الحق بالباطل ، خلظه به للتقصير في التهم بأن يقولو اليهودية والإسلام كلاهما حق ، وبه فسر الحسن ، يقال: لبسهُ كضرب يضرب ، بمعنى خلطه ، وليس الثوب يلبس ، كعلم يعلم ، ومنه قرأ يحيى بن وثاب بفح الباء ، تشبيهًا لخلط الحق بالباطل ، يلبس الثوب . قال A: « المتشبع بما ليس عنده ، كلابس ثوبى زور » يضرب مثلا لمن يظهر من نفسه ، وليس كذلك المتشبع الذى يظهر الشبع وهو جائع ، وثنى الثوب؛ لأن أقل ما يلبس ثوبان . وقال الفرزدق
فلا أب وابنًا مثل مَرْوان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزَّرا
وقرئ { تلبسون } بالتشديد للمبالغة ، أعنى تأكيدًا للبس وتكثيره .
{ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } : { الحق } : رسالة محمد A ، وصفته تكتمونها حال كونهم عالمين بهما ، قال قتادة: اجتمع بعض الأحبار من اليهود قيل أنهم من يهود خيبر ، وذكر بعض أنهم اثنا عشر حبرًا ، وقال بعضهم لبعض: أظهروا الدخول في دين محمد أول النهار من غير اعتقاد له ، وأظهروا الكفر به آخر النهار .
وقال الكلبى: كتبت يهود خيبر إلى يهود المدينة ، أن يفعلوا ذلك وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا ، فوجدنا محدًا ليس بذلك المنعوت ، وظهر لنا كذبة وبطلان دينه ، فإذا فعلتم ذلك ، شك أصحابه في دينهم ، فيقولوا: لو كان أمر اليهود كفرًا وحسدًا لما آمنوا به ثم كفروا ، فما كفروا بعد الإيمان وهم أصحاب العلم ، والتوراة إلا لكونهم استقصوا البحث في أمر محمد فوجدوه باطلا ، يريدون تشكيك ضعفاء المسلمين ، ولا تؤمنوا من قلوبكم إلا لمن تبع دينكم ، وحاولوا ذلك سرا ، فأخبر الله جل وعلا نبيه A بما حاولوه بقوله: