{ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى } : بقوا على الضلالة وأعرضوا عن الهدى بعد ما جاء هم ، وأمروا به شبه بقائهم عليها ، وإعراضهم عنه بشراء شئ ردئ بشئ كريم ، بجامع التمسك بردئ وترك كريم ، ففى اشترى استعارة تبعية تصريحية تحقيقية ، والمعنى اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى الذى فطر الله الناس عليه ، وللفطر عليه وتمكنهم منه صار كأنه بأيديهم ، فساغ إطلاق استبداله ، وأصل الاشتراء بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان أو من الانتفاع بها ، فإن كان أحد العوضين دينارًا أو درهما تعين أن يكون ثمنًا من حيث إنه لا يطلب لعينه وبذله اشتراه ، وإلا فأى العوضين تصورته بصورة الثمن ، فباذله مشتر وآخذه بائع ، ولذلك يستعمل اشترى بمعنى باع وباع بمعنى اشترى ، وإذا صورت إحدهما بصورة الثمن فهو الذى تدخل عليه الباء ، فإدخال الباء فرع التصور ثمنًا فيعرف في كلام غيرك بالباء فلا إشكال في قولنا فأى العوضين . . إلخ ، ولا يرجح في كلام غيرك بالباء فلا إشكال في قولنا فأى العوضين . . إلخ ، ولا يرجح عليه قولك الثمن ما دخلت عليه الباء ولو ادعى ذلك زكريا ، واستعير الاشتراء للإعراض عما في يدك محصلا به غيره معنى أو عينًا كقوله:
أخذت بالجملة رأسًا أزعرا ... والثنايا الواضحات الدردراp وبالطويل العمر عمرا حيدرا
كما اشترى المسلم إذا تنصرا ... أى كما اشترى المسلم ، وهو جبلة ملك غسان ، الكفر بالإسلام حين تنصر ، والجمة ، بضم الجيم ، مجتمع شعر الرأس والداء للبدن ، والأزعر الأصلع ، والدردر بضم الدالين المهملين منبت الأسنان بعد سقوطها ، وقال الجوهرى: مغارز أسنان الصبى ، اولعمر بدل من الطيل أو بيانه ، والحيدر القصير ثم اتسع فاستعمل لرغبة عن الشئ طمعًا في غيره ، وكقول الله D فيما يعيب به بنى إسرائيل: تفقهون لغير الدين ، وتعلمون لغير العمل ، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة ، والضلالة الميل عن القصد وفقد الاهتداء ، وتخصيصه شرعًا بالميل عن دين الله حقيقة شرعية ومجازًا استعاريا لغويا ، وقوله D: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى } إلى قوله: { بالكافرين } لحيرة العدو وضلاله والتباسه أمره عليه إلى أن يؤول ذلك إلى دماره ، تكتب في خرقة من قميصه الذى عرق فيه ، وتكتب فيه اسمه واسم أمه سبع مرات ، ثم يدفن ذلك في عتبة داره في كوز فخار جديد ، وإن فعل ذلك لمن لا يحل أن يفعل له شرعًا رجع الضر عليه .
{ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ } : ذكر البرح والتجارة ترشيح الاستارة المذكورة في اشتروا ، لأنهما ملائمان للمشبه به ، فإن الربح إنما ينفى عما من شأنه أن يقع فيه ، ولم يقع وهو اشراء الحقيقى ، والتجارة طب الربح بالبيع والشراء قاله القاضى ، وأولى منه أن يقال: هو الصرف بالبيع والشراء للربح ، والربح الفضل على رأس المال ، وكل ذلك ملائم للمشبه به ، ولكون الربح الفضل على رأس المال ، سمى بالشف يقال لهذا شف أى فضل ، وأشفه فضله ، ويستعمل أيضًا في النقص ، ونفى ربح تجارتهم تمثيل لخسارتهم وتصوير لحقيقتها .