{ الَّذين يتَّبعُون } نعت أو خبر لمحذوف ، أو مفعول لمحذوف على المدح ، أو مبتدأ خبره بأمرهم ، أو بدل من الذين بدل كل أو بعض على حذف الرابط ، أى الذين يتبعون منهم { الرَّسُولَ النَّبى الأمىَّ } إلخ وهذا منهم تعام وتغافل على العمد عن اشتراط التوحيد والإيمان بالآيات ، فإن المراد الآيات كلها كما هو واضح فتشمل القرآن ، ومن رد حرفا أو رسولا أشرك ، ويجوز أن يكون المراد بوسع الرحمة لكل شيء أنها موجودة لكل أحد ، ومن أتى بالإشراك أو بالكبائر فقد أبى منها بنفسه ، والمراد بسعتها بسأكتبها الخ أنى أحضرها وأوفق إليها من سبق في علمى أنه يتقى ويؤتى الزكاة ، ويؤمن بآياتنا ، ويتبع الرسول ، فالرحمة رحمة الآخرة ، وقد فسر بعضهم الرحمة بالتوبة .
وقيل: إن المراد الرحمة الدنيوية والأخروية ، وإن المراد بكل شيء متأهل لها وهم المؤمنون ، وإنما أصابت الكافر في الدنيا تبعا ، وتتمحض الرحمة للمؤمنين في الآخرة كما قال: { فسأكتبها } الخ وهو قول مقبول ، والنبووة الوحى بشرع ، و الراسلة في البشر من الله الوحى به مع الأمر بتبليغه ، فالرسول أخص من النبى ، وقدم مع أن الصفة العامة تقدم على الخاصة ، لأن تقديمها غالب ، ولأن محله ما إذا لم يكن في تقديم الخاصة نكتة ، وهى هنا الاهتمام بأمر الرسالة باعتبار المخاطبين ، أو اعتبر في جانب رسالته كونها من الله ، وفى جانب نبوته كونها للعبادة فأخرت فقدمت ، ولتقدم معنى النبوة قال A للبراء بن عازب حين قال: آمنت بكتابك الذى أنزلت ، وبرسولك الذى أرسلت: { قل وبنبيك الذي أرسلت } وليسلم من التكرار .
والنبى مأخوذ من النبأ وهو الخبر ، لأنه مخبر عن الله ، ومخبر للخلق ، وذلك أنه يخبر ولو لم يؤمر بالإخبار رغبة في الدين ، أو من النبوة وهى الرفعة ، وقيل: لما كان طريقا إلى رحمة الله سمى بالنبى الذى هو الطريق ، يقال ساد في النبى أى في الطريق ، ويقال أيضا: النبى بتشديد الياء ولا همزة بعدها ، قلبت الهمزة ياء وأدغمت فيها الياء ، قيل: روى النهى عن هذا التخفيف بالقلب والإدغام والأمر بالهمزة .
والأمى نسب إلى الأم أى هو كما خرج من أمه لا يدرى كتابة ولا قراءة ولا حسابا ، وذلك إكمال لإعجازه ، حيث أتى بكلام لا يساوى ولا يتغير ، مع أنه لا يدرى ذلك ، وما اشتغل على معلم ، فلو درى بذلك لقيل كتبه عن غيره ، أو قرأه من كتاب ، وفى الحديث: وذلك أن الأمة العربية لا يكتبون ولا يقرءون الكتابة ، ثم حدث فيهم ذلك ، أو نسب إلى امة العرب فإنهم لا يكتبون ولا يقرءون ، ويحتمله الحديث ، وقيل: إلى أم القرى وهى مكة ، وقرأ بعض بفتح الهمزة إلى الأم وهو القصد ، فإنه A مقصود في أمر الدين ، قال أبو الفتح: أو إلى الأم بالضم فهو من تغيير النسب ، وذلك الكلام إن كان مفعولا لموسى فيمن معه من بنى إسرائيل ومن بعده ، فالمراد باتباعه اعتقاد أنه رسول سيجئ ، وأن ما يقول حق ، ولا يشكل على ذلك قوله سبحانه وتعالى:
{ الَّذى يجدُونَ مكْتوبًا عنْدَهم في التَّوراة والإنْجيلِ } فإنه على التوزيع ، فأهل الإنجيل يجدوه في الإنجيل في زمانهم ، وأهل التوراة في التوراة فكأنه قال: الذين يتبعونه ممن يجده في التوراة من أهل زمانك وممن بعد زمانك ، وممن يجده في الإنجيل إذا أنزلته بعد زمانك ، فلا حاجة إلى قول بعضهم: إن المراد وستجدونه في الإنجيل وإن كان مفعولا لمن في زمانه سيدنا محمد A ممن آمن به من بنى إسرائيل او غيرهم ، وهو قول الجمهور ، فالاتباع اتباعه في الاعتقاد والعمل بشريعته ، وكذا في قول من قال: إنه مقول لمن في زمانه من بنى إسرائيل ، والظاهر أنه مقول لموسى .