{ واسْتَبقَا } أى تسابقا ، فإن الافتعال يأتى بمعنى التفاعل كاجتوروا بمعنى تجاوروا ، وازدوجوا بمعنى تزاوجوا ، والألف المحذوف نطقا لالتقاء الساكنيني الثابت في الخط ليوسف عليه السلام ، والتى هو في بيتها .
{ البابَ } الأخير الذى يلى خارج البيت ، ولذا أفرد الباب بعد جمعه في قوله: { وغلقت الأبواب } أو جمعه نظر إلى أبواب كل باب تلك الأبواب إن خرج منه تخلص ولم يحسبه آخر إذا لم تجعل بابا خلف باب ، والنصب على نزع الخافض ، أى تسابقا إلى الباب ، أو على المفعولية لتضمين استبق بمعنى تبادر ، هرب يوسف منها وتبعته مسرعة فتمنعه من الخروج ، وعن كعب الأخبار رضى الله عنه أنه جعلت أبوابا متتابعة واحدا بعد واحدا ، ولما هرب تساقطت الأقفال حتى خرج من الأبواب كلها .
{ وقَدَّت قميصهُ مِنْ دُبُرٍ } قطعته باجتذابه من ورائه والمراد ، والله أعلم ، الإخبار بأنها جبذته ، فذكر القدر وهو القطع ، ولم يذكر الاجتذاب ، لأنه سبب القد وملزومه ، وأكثر ما يستعمل القد في القطع طولا ، وأما القطع عرضا فهو القط ، وذكر بعضهم أنها قبضت بأعلى قميصه حيث تخرج العنق فتخرق ، نزل التخريق إلى أسفل القميص ، وهو قميص ألبسته إياه ، وتحته القميص الذى ألبسه يعقوب فيما زعم بعض .
{ وألْفَيا } وجدا { سَيِّدهَا } زوجها ، لم يقل سيدهما لأن ملك قطفير وهو العزيز جرى عليها بالزوجية ، ولم يجر على يوسف باشراء ، لأن شراءه مفسوخ غير منعقد في الحقيقة ، لأنه حر ، بخلاف المرأة فإن تزويجها لرجل تمليكها له ، وذلك يقول الولى: أملكتكها وملكتكها بالتشديد ، ويقال في زوج ملكها بالتخفيف ومالك لها ، ولو كان ملك الزوج الزوجة غير ملك الرجل العبد ، ولو لم يكن في تعظيم شأن الرجل على زوجته إلا تسميته في الآية سيدًا لها لكفى .
{ لَدَى } عند { البَابِ } قيل: صادفاه مقبلا يريد أن يدخل وقيل: جالسا مع ابن عمها عند الباب ، ولما رأته هابته وكذا تهاب ابن عمها ، وخالفت أن يتهماها ، احتالت على يوسف بما ترئ نفسها وتنتقم به من يوسف ، إذ لم يوافقها ، وتخوِّفه لعله يوافقها مما يفضح به قولها ، { ولئن لم يفعل ما أمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } فقال: ما حكى الله عنها بقوله:
{ قالَتْ } لسيدها { ما جَزاءُ مَنْ أراد بأهْلكَ } زوجتك { سُوءًا } أى فاشحة فتعنى الزنى ، لم تصرح بيوسف لأن العموم أبلغ ، فإنها قالت: { ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا } كائنا ما كان لا كذا وكذا ، فإن هذه العبارة آكد في أن يوسف لا يخلصه مخلص من الجزاء إذا أراد بها سوءًا فيما زعمت ، وهو برئ وما نافية ، وتجوز أن تكون للاستفهام الإنكارى ، وهو نفى أى أى شئ جزاء
{ إلاَّ أنْ يُسجَن } أى إلا سجنه { أو عَذابٌ أليمٌ } موجع كما قال الله تعالى: