{ وَأَنِ أحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ } : بين اليهود والنصارى ، والواقعة في اليهود ، ويجوز عود الضمير اليهم ، روى أن أحبار اليهود: كعب ابن أسيد ، وعبد الله بن صوريا ، وشاس بن قيس ، قال بعض لبعض: اذهبوا بنا الى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم ، وأنا ان اتبعناك اتبعك اليهود ولم يخالفونا ، وان بيننا وبين قومنا خصومة ، وذلك في أمر القتل فنتحاكم اليك ، فاقض لنا عليهم نؤمن لك ونصدقك ، فأبى رسول الله A: { وَأَنِ أحْكُم بَيْنَهُم } الآية ، وليست هذه الآية ناسخة للتخيير في الحكم بينهم ، والاعراض عنهم ، كما قال بعض: بل هى دعاء الى أين يكون حكمه واقعًا بما أنزل الله اذا اختار الحكم .
{ وَلا تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُم } : فيما طلبوا منك من الحكم بما أحبوا ، وخالف الحق ، وليس هذا تكريرًا وتوكيدًا محضًا مع ما مضى ، لأن ما مضى نهى عن تبع أهواءهم في أمر الرجم ، وهذا نهى عن أن يتبع أهواءهم في أمر الخصومة في شأن القتل ، وشأن القصاص والدماء ، وجملة لا تتبع معطوفة على جملة أحكم ، أو على ما عطف عليه ، وأن احكم هو أولى ، وذلك أن ان مصدرية دخلت على الأمر في قول من يقول بجواز دخولها على الأمر والنهى ، وأن احكم معطوف على الكتاب ، أى أنزلنا اليكم الكتاب والحكم بما أنزل الله ، أو على الحق أى أنزلناه بالحق ، وبأن احكم ، ويجوز أن يقدر وأمرنا أن احكم بفتح الميم واسكان الراء في أمرنا ، فيكون أن احكم تفسيرًا أو على المصدرية أى بأن احكم .
{ وَأحذَرْهُم أَن يَفْتِنُوكَ } : يصرفونك .
{ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ } : وأن يفتنوك بدل اشتمالن واشتمال من الهاء أى احذر فتنتهم اياك أو يقدر مضاف فيكون أن يفتنوك مفعولا من أجله ، أو على تقدير لام التعليل ولا النافية ، وهذا مرجوح ، أى احذر مكرهم مخالفة أن يفتنوك ، أو لئلا يفتنوكن والمراد بالفتن تأثيره فيه ، لأنهم قد حاولوا أن يصرفوه عن الحق فنهاه الله أن نصرف .
{ فَإِن تَوَلَّوْا } : أعرضوا عن الحكم بالحق ، وأرادوا أن تحكم لهم بغيره .
{ فَاعْلَم أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم } : مقتضى الظاهر أن يصيبهم بتوليهم ، والمعنى بجزاء توليهم ، لكن استعمل مكان لفظ توليهم بلفظ بعض ذنوبهم ، ليشعر أن لهم ذنوبًا كثيرة ، وأن منها هذا الذنب ، وليعظم هذا الذنب بابهامه اذ قال: { بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم } كقول لبيد:
لو لم تكن تدرى نوار بأننى ... وصال عقد حبائل جدامها
تراك أمكنة اذ لم أرضا ... أو يرتبط بعض النفوس حامها
أراد أو يرتبط نفسى حمامها فعظم نفسه بابهامها بقوله: بعض النفوس ، ولذلك جاء التنكير للتعظيم كما هو مشهور ، اذ دل على التبعيض ، ونورًا فاعل تدرى أو اسم تكن على التنازع ، والتاء في تكن وتدرى للغيبة والتأنيث لا الخطاب ، والا قال: تكونى تدرين ، والمراد أن بعض ذنوبهم كاف في التعذيب الدنيوى والأخروى معًا يقتلون به ويسبون ويجلون ويدخلون النار ، وباقى الذنوب لا يطع عنهم .
{ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } : خارجون عن الحق فعلا وتركًا واعتقادًا ، كاليهود اذ ردوا حكم الله وتركوا العمل بهن وعملوا بالباطل .