{ وكَيفَ أخافُ ما أشْركْتُم } ما أشركتموه من الكواكب والأصنام بالله ، مع أنها لا قدرة لها على مضرة أو إمساك خير عنى حتى إنى أعبدها لخوفى منها ، هذا ما لا يكون من عاقل ، ومن وقع منه هذا فهو أهل لأن يتعجب منه .
{ ولا تَخافُون أنكُم أشْركْتُم بالهِ ما لم يُنزِّل بهِ } أى ما لم ينزل الله به أى بعبادته أو بإشراكه { عَليْكم سُلطانًا } حجة من السماء ككتاب أو ملك ، أو ما لم ينصب عليه دليلا ولا شئ مما يعبد من دون الله ، نزلت به حجة ، فليس قوله: { ما لم ينزل به عليكم سلطانًا } قيدًا واحترازًا ، بل بيان لحقيقة الأمر ، وهى أنه لا شئ مما يعبد من دون الله تعالى به حجة ، والجملة داخلية في التعجيب ، والإنكار بكيف ، أى كيف أخاف ما لا تلحقنى منه مضرة وهو معبوداتكم ، ولا تخافون أنتم ما يلحقكم به ما لا يوصف من العذاب ، وهو إشراككم بالله تعالى ، وذلك أنهم أخافوه عليه السلام في موضع الأمن وهو التوحيد ، فإنه لا مضر تلحق بالتوحيد ، وآمنوا في موضع الخوف وهو الإشراك بالله الذى هو أعظم الذنوب ، والواو عاطفة على أخاف كما علمت من تولى إن الجملة داخلة في التعجب والإنكار ، أو واو الحال .
{ فأىُّ الفَرِيقَينِ } الفريق الموحدين ، والفريق المشركين ، ولم يقل ولا تخافون من أشركتم به ما لم ينزل الآية ، لئلا يكون قابل الأصنام والكواكب بخالقها { أحقُّ } أى حقيق ، قاسم التفضيل ليس على بابه ، إذ لا تثبت لهما الحقيقة ويتفاضلان فيها ، بل هى لأحدهما فقط ، إلا أن تنزل لهم في ثبوت الحقيقة من وجه ما على زعمهم في الشرك ، ولم يقل: أينا أنا أم أنتم احترازًا من تزكية النفس التى يتوهمونها ، لأنه إذا توهموها منه لنفس أبعدهم ذلك عن الإيمان ، وليس كقوله: { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } بأنهما ذكر الخبر فقط لصيغة اسم التفضيل ، وفى نسب ذكر الشر أيضا وذكر الجماعة وهى أقرب في التزكية الإنسان نفسه .
{ بالأمْنِ } من عاقبة السوء المؤمن أحق بالأمن ، بمعنى أنه إن ختم له بخير كان أمنًا بخلاف المشرك فلا آمن له حتى يتقدم إسلام من الشرك { إنْ كُنتم تعْلمُون } ما يحق أن يخاف منه ، أو إن كنتم تعلمون أيهما أحق بالأمن ، وعلى كل حال جواب إن محذوف دل عليه: { أى الفريقين أحق بالأمن } أى إن كنتم تعلمون فأخبرونى أيهما أحق به ، قال أبو حيان: هذا الاستفهام تعجب وإنكار .