{ ألمَ يَروْا أنَّا نأتى } نقصد بالقدرة والأمر ، أو يأتى أمرنا { الأرْض } أرض الكفرة المجاورة لهم { ننقُصهُا } بدل اشتمال من نأتى وقرئ بفتح النون الثانية ، وكسر القاف مشددة { مِنْ أطْرافها } بفتحها للمسلمين بالقتال والسبى والصلح ، فتزيد في أرض الإسلام ، وتنقص من أرض الكفر ، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم ونزيد أرضهم إلى أرض المسلمين ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، والكلبى ، وقتادة ، على أن الآية مدنية .
وقيل: الأرض أرض الكفرة مطلقا ، والآية مكية ، شملت الفتح فتح مكة وغيره من الفتوحات ، وقيل: المراد بنقص الأرض إخراب ديار الكفرة على يد النبى A ومن معه ، وفى ذلك تنفيس على رسول الله A ومن معه ، وتطييب لأنفسهم ، وتبشير بطلائع الظفر ، كما أن في قوله: { وإما نرينك بعض الذى } الخ تطييبا لنفوسهم بالانتقام من الكفرة إما عاجلا وإما آجلا .
وقيل: المراد بنقص الأرض تخريب أرض الأمم السابقة لإهلاك أهلاه الكفرة ، كأنه قيل: أفلا تخافون أن نفعل بكم مثل ذلك من إخراب بعد عمارة ، وذلك بعد عز ، وموت بعد حياة .
وقال عكرمة ، ومجاهد: نقصها موت أهلها وتغيير أحوالهم إلى ذلك وخراب ، ونقص الثمرات والبركة ، أفلا يتعظون بذلك .
وعن ابن عباس ، وعطاء وغيرهما: نقصها من أطرافها إماتة علمائها وفقهائها وخيار أهلها ، واختاره أبو عمرو بن عبد البر ، وعليه فالمراد بالأطراف الإشراف كما أثبت الجوهرى عن بعض أن الأطراف يرد بمعنى الإشراف .
قلت: هذا القول ضعيف من حيث ضعف كون الأطراف بمعنى الإشراف ، ومن حيث بُعد ذلك المعنى عن المقام ، لأنهم لم يشاهدوا موت الفقهاء والعلماء والأخيار ، ولو ثبت في الحديث أن الله يقبض العلم بقبض العلماء ، فيرأس على الناس جهال يَضِلون ويُضِلون .
وثبت عن ابن مسعود: أن موت العالم ثلمة لا تسد ما اختلف الليل والنهار .
وثبت عن سلمان: لا يزال الناس بخير ما بقى الأول حتى تعلم الآخر ، وإذا ذهب الأول قبل تعلم الأخير هلك الناس ، لأن ذلك لا يصح تفسير الآية ، كما لا يصح تفسيرًا لها ، وقول بعض إنما ينقص من الأرض يزداد في الشام ، وما ينقص من الشام يزداد في فلسطين .
{ والله يحْكُم } فى خلقه بما يشاء { لا مُعقِّب } لا راد { لحُكمه } فقد حكم للإسلام للإقبال ، وعلى الكفر بالإدبار حكما لا يأتى أحد عقبه بالإبطال والتغيير يقال: عقبت الشئ ، أى أتيت عقبه بالإبطال أو غيره ، ولذا يقال لصاحب الحق ، معقب ، لأنه يقفو غريمه بطلب حقه ، والجملة حال من المستتر في يحكم ، والمعنى يحكم نافذ حكمه .
{ وهُو سَريعُ الحِسابِ } أى سريع الجزاء بعقاب الكفرة ، وإثابة المؤمنين ، أو قرب وقت حسابه يعذبهم عما قليل في الآخرة بعد ما عذبهم في الدنيا بالقتل والإخراج من البلدان .