{ ألَم يعْلَموا } وقرىء تعلموا بالفوقية ، وعلى كل حال فالمراد هؤلاء المعترفون ، والتاء على طريق الالتفات ، والمعنى ألم يعلموا قبل نزول توبتهم ، وقبول صدقهم ، وفى ذلك تمكين قبول التوبة والصدقة في قلوبهم ، وقيل: المراد الذين لم يتوبوا قالوا: هؤلاء كانوا بالأمس معنا ، لا يكلَّمون ولا يُجالسون فما لهم ، فنزلت ترغيبا لهم في التوبة ، وقبول الصدقة ، وعلى هذا فليس في التاء التفات .
{ أنَّ اللهَ هُو } هذا الضمير إنما يفيد التأكيد من حيث المعنى ، سواء جعل مبتدأ أو تأكيدًا لاسم إن مستعارا للنصب ، ولا مانع من تأكيد الظاهر بالضمير ، بأن الظاهر إذا كان كافيا في تأدية المراد ، فالضمير المزيد عليه مؤكد قطعا ، لأنه زيادة في ذلك المراد ، وليس كما زعم بعض أن الظاهر أقوى فلا يؤكده الضمير ، وأجاز بعض أن يكون هو بدلا ، ولا يفيد الحصر ، لأن الخبر بعده ليس اسما معرفا كما في قولك: إن الله هو القابل ، بل تعريف المسند والمسند إليه مفيد للحصر ، ولو لم يكن لفظ هو أو هى أو نحوه في الكلام ، والمسند إليه هنا معرف دون المسند ، ومعنى قول جار الله: إن هو للتخصيص ، أنه تخصيص لله في الذكر بعد ذكره أيضا كما قالوا في الحمد لله: إن اللام للتخصيص ، فمن ادعى ثبوت الحمد لغير الله فليأت ببيان ، ولا بيان له ، ولو مفيدا للحصر من هذه الجهة ، وليس مفيدا له بطريق الصناعة فافهم ، هذا ما ظهر لى في تحقيق المقام .
{ يقْبلُ التَّوبةَ } إذا صحت { عَنْ عِبادِه } مثل قولك: يقبلها من عباده ، أو عدى القبول بعن لتضمنها معنى التجاوز والمساهلة { ويأخُذ الصَّدَقاتِ } أى يقبلها لكن قبول من يضاعف الجزاء عليها ، وفى ذلك ترغيب في الصدقات ، إذ كان الذى يأخذها في الحقيقة هو الله ، ولو كان أخذها في الظاهر هو الفقير مثلا ، عن ابن مسعود رضى الله عنه: « أن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل » وعن أبى هريرة ، عن رسول الله A: « ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب ، ولا يقبل الله إلا الطيب ، إلا أخذها الرحمن بيمينه ، وإن كانت تمرة ، أو لقمة ويربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه ، بضم الفاء وفتحها ، وهو المهر أول ما يولد ، أو فصيله حتى تصير كأحد » وهو أعظم جبل لكن غاص في الأرض .
{ وأن اللهَ هُو التَّوابُ الرَّحيمُ } القابل للتوبة بالتفضل .