{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } : وروى عنه أنه قيل له: كيف ذلك؟ فقال: اقرءوا: { الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا } إلى قوله { أنك لا تخلف الميعاد } أى أعطاهم مسئولهم بسبب دعائهم ، كما دلت عليه الفناء ، ومعنى استجاب حصل المطلوب ، ومعنى أجاب: أعطى الجواب بلا أو بنعم ، فهو أعم من استجاب ، و { أنى } على تقدير الباء ، أى فاستجاب لهم ربهم بأنى لا أضيع وقرئ بكسر الهمزة على تقدير القول ، أى فاستجاب لهم ربهم قائلا: إنى لا أضيع ، أو على تضمين استجاب معنى قال ، فتحكى الجملة باستجاب وقرئ: لا أضيع فتح الضاد اكسر الياء المشددة ، والمعنى: لا أحبط عمل عامل منكم ، أى عامل كان إذ عمل لى ذكرًا كان أو أنثى ، وقالت أم سلمة رضى الله عنها قالت: يا رسول الله اسمع الله يذكر الرجا في الهجرة ولا يذكر الناس « . فنزل قوله تعالى:
{ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ } مقتضى الظاهر من عندى فعدل عنه إلى الغيبة .
{ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } : وقرئ أى لا أضيع بكسر همزه إن - كما مر - أما على الاستئناف فيكون أول ما نزل في شأن مقال أم سلمة المذكور ، وآخره حسن المآدب وأما على تقدير القول ، أى قائلا: إنى لا أضيع ، فيكون أول ما نزل في شأن مقالها ، بعضكم من بعض ، ومعنى { بَعْضُكُم مِّن بَعْض } أن الذكر مأخوذًا وثابت من الأنثى ، والأنثى مأخوذة أو ثابتة من الذكر ، وهذه الجملة معترضة بين { أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ } بكسر { إن } على الاستئناف ، وبين { فَالَّذِينَ هَاجَرُوا } إذ كانا كلاهما في شأن مقالها ، أو بين عمل عامل وما فصل به عمل العامل من قوله: { فَالَّذِينَ هَاجَرُوا } ولو فتحت همزة إن ، أو هو بمعنى الكاف ، أى بعضكم كبعض ، يقال فلان منى ، ى مثلى في سيرية ، يبالغ في التشبيه لشدة الاتصال ، أو للاجتماع حتى كأنه بعضه وما صدق هذه الأقوال المساواة بين الكر والأنثى في الإثابة على العمل والتناصر في الدين . قالت عائشة للنبى A: هل على النساء جهاد؟ قال: » نعم . جهاد لا قتل فيه الحج والعمرة « .
و { الذين } : مبتدأ خبره القسم المحذوف ، وجوابه المذكور بقوله تعالى { لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُم } مانع الإخبار بالإنشاء يقدر القول ، أى مقول فيهم ، أو أقول فيهم: والله لأكفرن ، والقول خبر ، والظاهر أن التشائية القسم لا تمنع الخبر لأن محط القسم جوابه وهو إخبار والقسم قبله ، كفضلة مؤكدة والمعنى: هاجروا الشرك أو الأوطان والعشائر بالخروج إلى المدينة أو إلى الجبشة ثم إلى المدينة ، لما استقر A فيها حرصًا على دين الله لئلا يفوتهم بالشرك ، أو بلزوم الوطن والعشيرة ، وأخرجوا معى من ديارهم أخرجهم المشركون ، والإخراج قسمان: الأول أن يضيق على الإنسان بمنع من يكلمه أو يجالسه أو ينفعه أو يقصد بالضرب والقتل ، أو أكل المال ونحو ذلك فيخرج ، والثانى أن يقهر على الخروج ، ومعنى { وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي } ضرهم المشركون في دينى ، أو لأجل دينى ، اى لإسلامهم .