{ قلْ إنَّى عَلى بيِّنةٍ من ربِّى } على دليل من ربى صرت به موقنا بالحق ، مميزًا له من الباطل ، وذلك الدليل هو الحجج النقلية والعقلية والنقلية ، كالقرآن وسائر الوحى ، وما يقول مسلمو علماء أهل الكتاب والعقلية كمخلوقات الله تعالى ، وعدم فساد السموات والأرض ، وتفسير ابن عباس البينة باليقين تفسير باللازم ، لأن الكون على البينة تستلزم اليقين ، وقيل: البينة الدلالة الواضحة لا نفس الدليل ، وقيل: القرآن ، ومن ربى نعت بينة ، ومن للابتداء أى بينة ثابتة من ربى ، أو آتية من ربى ، أو بينة من معرفة ربى ، وعلى هذا فمن للبيان .
{ وكذَّبتُم به } أى بربى ، لأن جعل الشريك لله تعالى تكذيب له ، وإبطال بالمعنى ، بل هو أيضا تكذيب لقوله تعالى: { لا إله إلا الله } وقوله: { لا إله إلا أنا } ونحو ذلك مما يدل على التوحيد ، ويجوز عود الهاء للبينة باعتبار أنها بمعنى الدليل أو البرهان أو البيان الواضح ، أو باعتبار وقوعها على القرآن .
{ ما عِنْدى ما تسْتعجلُون به } من العذاب ، فما واقعة على العذاب ، والهاء عائدة إلى ما ، وكانوا يقولون: { فأسقط علينا كسفا من السماء } و { يستعجلونك بالعذاب } وقالوا: { عجِّل لنا قطنا } قبل عذابنا { ائتنا بما تعدنا } { فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ونحو ذلك ، فقال الله جل وعلا ، ويناسب هذا أن التكذيب يدل على أنهم قارفُوا ما يوجب العذاب ، إلا أنه ليس عندى ، وأن الاستعجال لم يأت في القرآن إلا للعذاب ، وقيل: ما واقعة على ما اقترحوا من الآيات ، وهاء به لا بدّ عائدة إلى ما ، وقيل: ما واقعة على قيام الساعة كذلك .
{ إنِ الحُكْم إلا لله } فى تعجيل العذاب وتأخيره إثابة المطيع ، وتعذيب المصرّ ، والفصل بين المحق والمبطل . { يقصُّ الحقَّ } يقول الحق أو لا يخالف الحق ، وذلك من قولهم: قص الحديث أى ذكره ، أو من قص الأثر بمعنى تبعه ، أو بمعنى يقطع الحق ، أى يفصله من الباطل وينفذه من قولك قصصت الشئ بمعنى قطعته ، وهذه قراءة نافع وابن كثير ، ويقال لهما: الحجازيان ، لأنهما في الحجاز ، والحرميان لأنهما في الحرم ، فنافع في حرم المدينة لأنه فيها ، وابن كثير في حرم مكة لأنه في مكة ، وبها قرأ عاصم ، وقرأ الأخوان الكسائى وحمزة ، وغير الأخوين يقص بإسكان القاف وكسر الضَّاد معجمة من قضى يقضى حذفت الياء من الخط تحقيقًا على الكاتب وتبعًا لحذفها من النطق للساكن بعدها .
كما حذفت في قوله تعالى: { وسوف يؤت الله المؤمنين } وقوله تعالى: { فما تغن النذر } وقوله تعالى: { كذلك حقًا علينا ننج المؤمنين } وقوله تعالى: { بالواد المقدس } وقوله تعالى: { بالواد الأيمن } وقوله تعالى: { إلا من هو صال الجحيم } وقوله تعالى: { وإن الله لهاد الذين آمنوا } فى الحج ، وقوله تعالى: { وما أنت بهاد العمى } فى النمل ، وكما حذفت الواو في قوله تعالى خطأ تبعًا للنطق: { يوم يدع الداع } { ويمح الله الباطل } و { سندع الزبانية } { ويدع الإنسان بالشر } وقوله تعالى: { وصالح المؤمنين } على أن المراد الجمع ، والمعنى في هذه القراءة أنه يقضى القضاء الحق ، أو يثبت الحق ، أو يصنع الحق ، يقال: اقض قضى درعًا أى صنعها أو يفعله ويفرغه منه .