{ ألمْ تَرَ إلىَ الَّذِينَ خرجُوا مِن دِيارِهمْ وَهُمْ ألوفٌ حَذَرَ الموْتِ فقالَ لهمُ الله مُوتُوا ثمَّ أحياهُمْ } : الاستفهام للتعجيب ، أى تصيير السامع متعجبًا من هؤلاء الخارجين ، أو للتقرير ، وهو حمل السامع على الإقرار بعلم حالهم ، سواء علم السامع بقصتهم من أهل الكتاب أو من غيرهم من أهل التاريخ ، أو لم يعلم ، وهذا تلويح بأن حالهم مشهور متحقق مما لا ينبغى أن يجهل ، وكأنه مما لا يجهله أحد ، فالخطاب للنبى A ، وهو لا يعلم حالهم إلا من هذه الآية ، لأنه لا يوقن بما يقول أهل الكتاب ، إلا أن ألهمهُ الله أنهُ حق أو مما لا يحفى أنه حق كالتوحيد ، وذكر الله فإن علم فالتعجيب أو التقرير على حقيقته ، وإلا فالاستعارة تمثيلية ، بأن شبه حالهم وهو لم يعلم قبل الآية بحال من علم في أنه لا ينبغى خفاء ذلك عنه ، وفى أنه يتعجب ويقر ، وكذا إذا قلنا الخطاب لكل من يصلح له علم أو لم يعلم ، ومعنى ترى: تعلم ، وعداه بإلى لتضمنه معنى تنظر أو على معنى إلى نيته علمك إلى الذين ، وقل ما يقال رأيت إلى كذا إلا في التعجب والتقرير ، وسوى ذلك يكون بدون إلى ، والديار ديار بلدة تسمى دوار دان ، وهى قبل واسط ، وقع طاعون فخرجوا هاربين . وقال الضحاك: قوم من بنى إسرائيل أمرهم نبيهم بالجهاد ، وقيل ملكهم ، ففروا حذر الموت ، فحذر مفعول لأجله ، ويجمع بين القولين بأن وحى القتال بلسان نبيهم وسياسته ، والقيام به بالملك على عادة بنى إسرائيل وعدد ألوفهم على ما روى عن السدى بضعة وثلاثون ألفا .
وقال ابن جريح عن ابن عباس: ثمانية وأربعون ألفا ، وقال عطاء ابن أبى رباح سبعون ألفًا ، وقيل عشرة آلاف ، وقيل ثلاثون أفًا ، وقيل ثلاثة آلاف ، ولا قائل بأنهم فوق سبعين ألفًا بالرواية ، ولو كان اللفظ قابلا لذلك ، ولا بأنهم دون ثلاثة آلاف ممن قال المراد بالألوف العدد المعروف ، ويعضف قول الثلاثة الآلاف ، لأن الألوف جمع كثرة ، ولو كان كذلك لقيل آلاف بصيغة القلة ، وكذا يضعف قول الكلبى ثمانية آلاف ، واختلف في العشرة ، هل يعبر فيها بصيغة الكثرة أو القلة ، ومر حديث الأعرابية ، فإن جمع القلة ثمانية ، قال الواحدى لا يقال في الشعرة ومادونها ألوف ، بل آلاف ، يعنى أن جمع الكثرة لأحد عشر فصاعدًان وقال ابن زيد: ألوف جمع آلاف من الألفة كقاعد وقعود ، وشاهد وشهود ، وراكع وركوع ، وساجد وسجود وجالس وجلوس ، وحاضر وحضور ، يعنى أنهم قوم تمكنت الألفة يبثهم والمحبة ، أو كان كل واحد محبا للحياة ألف لها لنفسه ، كما قال الله تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على الحياة } إذا قلنا ذلك في بنى إسرائيل ، ومع هذه الألفة أماتهم فيعلمون أن الحرص على الحياة لا يعصم من الموت ، وعلى القول بأنه جمع ألف كقاعدة يمكن أن يكونوا ألفين أو ألفا واحدا ، ولكنه قول غريب .