{ كَذلكَ أرْسلناكَ } أى كما أرسلنا رسلا إلى أمم قبلك أرسلناك { في أمةٍ قَدْ خَلتْ } مضت { مِنْ قَبلها أممٌ } أرسل الرسل إليهم ، فليس إرسلال بدعا { عَليهم الذِى أوْحينَا إليكَ } وهو القرآن ، والهاء في عليهم للأمة ، قال A: « أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله »
{ وهُم } أى قومك والواو للحال من فاعل في أرسلناك { يكْفرونَ بالرَّحْمن } أى بالله الذى هو المنعم بجلائل النعم ودقائقها ، نعم الدنيا والآخرة ، ومنها: إرساله إياك إليهم ، وإنزال القرآن المتعلقة به منافع الدين والدنيا ، فالمراد بالحرمن الذات الواجب الوجود ، وذلك أنهم كفروا بهذا اسم الذى هو قولك: الرحمن ، والكفر باسم من أسماء الله كفر بالله تعالى .
ويجوز أن يراد بالرحمن في الآية هذا الاسم ، ويقدر على هذا الوجه مضاف في قوله: { هو ربى } أى هو اسم ربى .
لما صالح رسول الله A قريشا في الحديبية قال لعلى اكتب: « هذا ما صالح محمد رسول الله » قال سهل بن عمر: إن كنت رسولا لقد ظلمناك ، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه ابن عبد الله ، قال المسلمون: دعنا نقاتلهم ، قال: « لا لكن اكتبوا ما يريدون » وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال: أما الرحمن فلا نعرفه إلا رحمن اليمامة وهو مسيلمة ، ولكن اكتب: باسمك اللهم ، وكانت الجاهلية يكتبون ذلك ، فقالوا: دعنا نقاتلهم ، فقال: « لا لكن اكتبوا ما يريدون » فنزل: { كذلك أرسلناك في أمة } إلى { وإليه متاب } فالآية مدنية ، وبه قال مقاتل ، وابن جريج ، وقتادة .
والمعروف أنها مكية ، وأن سببها أن أبا جهل سمع رسول الله A يدعو في الحجر يا الله ، يا رحمن ، فرجع إلى المشركين فقال: إن محمدا يدعو إليهن اثنين ، يدعو الله ، ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن ، ولا نعرف رحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت ، وقال الضحاك ، عن ابن عباس: نزلت في قولهم: وما الرحمن حين قال لهم: { اسجدوا الرحمن } ونزل في ذلك أيضا: { قل ادعو الله أو ادعو الرحمن } الآية وكذلك قال الحسن .
{ قلْ } يا محمد { هْو ربِّى } مبتدأ وخبر ، أو هو ضمير الشأن مبتدأ ، وربى مبتدأ وقوله: { لا إله إلاَّ هُو } خبر مبتدأ ، والجملة خبر الشأن ، أى لا أهل للعبادة سوه ، ولا شريك له كما زعم قائلكم: إن محمدًا يدعو إليهن .
{ عَليه } لا على غيره { توَكَّلتُ } فى نصرتى عيلكم جميع أمورى { وإليه } لا إلى غيره { مَتَابِ } أى مرجعى ، وهو مصدر ميمى بمعنى الرجوع ، أى لا أرجع إلا إليه بالبعث للجزاء على مصابرتكم ومجاهدتكم ، وحذفت ياء الإضافة ، ودلت عليهما الكسرة .
قال ابن عباس وغيره: إن نفرا من مشركى قريش ، منهم أبو جهل ، وعبد الله بن أمية ، جلسوا خلف الكعبة ، وأرسلوا خلف النبى A فأتاهم ، وقيل: مر بهم وهم جلوس ، فدعاهم إلى الله D ، فقال عبد الله بن أمية: إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن ، وأذهبها عنا حتى نتفسح ، فإنها أرض ضيقة ، فتتخذ فيها بساتين ومزارع ، واجعل لنا أنهار نسقى ذلك بها إن كنت نبيا كما زعمت ، فلست بأهون على ربك من داود ، إذ سخر له الجبال؟
قال: « لا أقدر على ذلك » .