{ قَدْ خَسِر الَّذينَ كذَّبُوا بلقاءِ الله } أى كذبوا بالبعث وخسرانهم هو فوات الجنة ، أو لقاء الله البعث والحساب ، وخسرانهم فوات الجنة وحصول العذاب الدائم . { حتَّى إذا جاءتْهُم السَّاعة } معنى حتى عائد إلى كذبوا بلقاء الله ، أما على القول بأنها جارة لإذا ، فالمعنى أنهم مصرون على التكذيب إلى أن جاءتهم ساعة الموت ، أو إلى أن جاءهم يوم القيامة ، والمراد أيضًا وقت الموت ، لأنه من مات فقد قامت قيامته ، فالميت داخل في اليوم الآخر من حين مات ، والقيام من القبور يكون في بعض ذلك اليوم الأخير ، أو سمى ساعة الموت باسم يوم البعث ، لأنهُ يظهر فيها تحقيق البعث ، وسمى يوم القيامة ساعة لسرعة الحساب فيه ، حاسبون فيه قدر ساعة أو أقل ، وأما على القول بأنها ابتدائية فإنها كفاء السببية في الترتيب ، فيكون جواب إذا مترتبًا على تكذيبهم .
{ بَغْتَةً } حال ، أى ذات بغتة أو باغتة ، أو مفعول مطلق ، أى مجئ بغتة أو مفعول مطلق باعتبار أنها نوع من المجئ ، والبغتة الفجأة من غير أن يشعر الإنسان ، فلو عام بمجئ الشئ في وقت مخصوص فجاء فيه بسرعة لهم تقل فيه جاء بغتة ، والوقت الذى تقوم فيه الساعة تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله ، وذلك أعظم على الخلق كما قال الشاعر:
ولكنهم باتوا ولم أخش بغتة ... وأفظع شئ حين يفجأك البغت
قال بعض العلماء لا يعرف مقدار الحياة إلا الموتى ، لأنهم قد ظهرت لهم الأمور ، وانكشفت لهم الحقائق ، وتبدلت لم المنازل ، وعلموا مقدار الأعمال الصالحات .
{ قالوا يا حَسْرتنا } إن كان لك وقت حضور فاحضرى ، فهذا أوان حضورك ، نعى الله عليهم ترك ما أحوجم تركه إلى نداء الحسرة .
{ على ما فرَّطْنا فِيها } ما مصدرية ، أى على تفريطنا فيها ، ومجرور في هو ضمير عائد إلى الحياة الدنيا ، وإن لم يجر لها ذكر لدلالة ذكر التفريط في العمل عليها ، لأن العمل زمانه الحياة لا الآخرة ، وقال الحسن البصرى: الضمير عائد إلى الساعة على معنى ما فرطنا في شأن الساعة ، وشأن الساعة تقديم العمل الصالح والإيمان بها إن كانت ساعة يوم القيامة ، وإن كانت ساعة الموت فلا احد لا يؤمن بالموت ، فالمراد شأنها الذى هو التقديم .
وقال محمد بن عبد الله بن جرير الطبرى: عائد إلى الصفة المدلول عليها بقوله: حسر إذا استبدلوا الكفر بالإيمان ، فكان كبيع بصفقة خاسرة ، قال أبو سعيد الخدرى ، عن النبى A: « يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون يا حسرتنا على ما فطرطنا فيها » فلا مانع من عود الضمير إلى منازلهم في الجنة المدلول عليها بذكر الساعة ، فإن الإنسان يرى منزله في الجنة إذا مات وإذا بعث ، ولا يدخله فيشتد تحسره .